تاريخها في المنطقة يعود إلى ما يقرب من 4000 عام

الصقارة.. قِيَم أصيلة تتوارثها أجيال الإمارات

صورة

عبر تاريخ طويل؛ احتلت الصقور والصقارة مكانة مميزة في التراث العربي، حيث مارسها أهل شبه الجزيرة العربية منذ ما يقرب من 4000 سنة، ولاتزال تتمتع بالمكانة نفسها في الوقت الحالي، رغم ما شهده العالم من تطور وتغييرات في نظام الحياة، حيث حرص أهل الإمارات على التمسك بها، وبكل مفردات تراثهم الذي توارثوه عن الآباء والأجداد، كما أولت دولة الإمارات اهتماماً بالغاً للصقارة والصقور، لما ارتبط بها من قيم نبيلة وصفات أصيلة، مثل: الشجاعة والفخر والتواضع والعمل بروح الفريق بين الصيادين، كما اهتمت الدولة في الوقت نفسه بالحفاظ على الطبيعة والصيد المستدام.

زايد الصقار الأول

ومع الاحتفال باليوم العالمي للصقارة، الذي يوافق 16 نوفمبر من كل عام، لابد أن يبرز اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، لارتباطه بهذه الرياضة منذ طفولته واعتزازه بها، ولما قدمه لها من اهتمام ورعاية ومبادرات فريدة، فاستحق بجدارة لقب «الصقار الأول»، وتظهر أهمية الصقارة لدى الشيخ زايد في قيامه بتأليف كتاب خاص عنها، بعنوان: «رياضة الصيد بالصقور»، الذي تناول فيه علاقته بهذه الرياضة التي شرع في تعلمها وهو في الـ12 من عمره، وكان يصيد بالبندقية، ولصغر سنه كان يعتمد حينما يضرب البندقية على ساتر أو أي شيء آخر، وحينما بلغ الـ16، كان قد تعلم الصيد بالصقور، فشرع يزاول الصيد بالاثنين معاً بالبندقية حيناً وبالصقر حيناً. وفق ما يذكر في الكتاب.

نقطة تحول

ويروي الشيخ زايد في الكتاب واقعة كانت بمثابة نقطة في علاقته بالصيد، قائلاً: «حينما بلغت من العمر الـ25، كنت قد تعلمت أصول الصيد وفنونه، في هذا الوقت فضلت الصيد بالصقر على ما عداه، وأقلعت عن استخدام البندقية في صيد الحيوان، وكان لهذا التحول سبب في نفسي، فذات يوم ذهبت لرحلة صيد في البراري وكانت الطرائد قطيعاً وافراً من الظباء يملأ المكان من كل ناحية، فجعلت أطارد الظباء وأرميها وبعد نحو ثلاث ساعات قمت أعد ما رميته من الظباء فوجدتها 14 ظبياً، عندئذ فكرت في الأمر طويلاً وأحسست أن الصيد بالبندقية إنما هو حملة على الحيوان وسبب سريع يؤدي إلى انقراضه، فعدلت عن هذا الأمر واكتفيت بالصيد بالصقر». ومنذ ذلك الوقت، عمل، طيب الله ثراه، على تطبيق مفهوم الاستدامة والحفاظ على البيئة، عبر العديد من المبادرات التي أطلقها مثل تنظيم المؤتمر العالمي الأول للصقارة والمحافظة على الطبيعة في مدينة أبوظبي عام 1976، والذي جمع للمرة الأولى بين الصقارين من أماكن مختلفة في العالم. كما عمل على نشر الوعي بين صقاري الإمارات، لاقتناء الصقور المتكاثرة في الأسر، بدلاً من الصقور البرية، الأمر الذي قلل من التأثير السلبي لرياضة الصقور في السلالات البرية. وفي عام 1989، بدأ المركز الوطني لبحوث الطيور برنامجه الطموح لإكثار طيور الحبارى الآسيوية المهمة للصقارة، ثم تطور البرنامج ليتحول إلى «الصندوق الدولي للحفاظ على الحبارى»، الذي عمل على تحقيق هدف بعيد المدى حدده الشيخ زايد بإنتاج 10,000 طائر حبارى آسيوي سنوياً، وإطلاق معظمها لزيادة أعداد المجموعات البرية.

مبادرات متعددة

في عام 1995، قام المغفور له الشيخ زايد بطرح برنامج إطلاق الصقور، وكانت فكرته هي إطلاق سراح الصقور البرية وإعادتها للطبيعة بغرض الحفاظ على مجموعات الصقور البرية. كما تم إنشاء مستشفى أبوظبي للصقور من قبل هيئة البيئة – أبوظبي، ليكون أول منشأة عامة في الإمارات تقدم خدمات الرعاية الصحية البيطرية الشاملة للصقور فقط، وجرى افتتاحه في الثالث من أكتوبر 1999، ليصبح أكبر مستشفى للصقور في الإمارات العربية المتحدة والعالم؛ حيث تجاوز تدفق المرضى إلى المستشفى 110,000 مريض منذ إنشائه، كذلك تولى المستشفى الإشراف الطبي على برنامج إطلاق الصقور، من خلال إعادة تأهيل هذه الصقور لإطلاق سراحها، ويتم إطلاق الصقور مرة أخرى في البرية كجزء من برنامج بحث طموح لفهم ما إذا كانت الطيور المهاجرة مثل صقور الشاهين والحر، يمكن أن تحافظ على مسار الهجرة نفسه بعد استخدامها في الصيد.

كما شملت هذه المبادرات إشهار نادي صقاري الإمارات في 24 سبتمبر عام 2001، بهدف نقل إرث الأجداد في هذا المجال إلى الأجيال القادمة، وخدمة صقاري الدولة والخليج، والمحافظة على الصقور والطرائد من الانقراض، ونشر الوعي حول أساليب الصيد المستدام، وأخلاقيات رياضة الصيد بالصقور.

وشهد عام 2003 إطلاق الدورة الأولى من معرض أبوظبي الدولي للصيد والفروسية، وحظي بزيارة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، حيث أمر، طيّب الله ثراه، بتحويل المعرض إلى معرض دولي، يُقام سنوياً في أبوظبي.

على نهج زايد

وعلى خطى زايد، واصلت دولة الإمارات المسيرة في الاهتمام برياضات الصيد والفروسية، فنجحت عام 2010، في تسجيل الصقارة في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو)، ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، وحصلت في عام 2010 على اعتراف عالمي كتراث ثقافي إنساني، وتراث أصيل ومتميز.

وفي عام 2018، فازت الإمارات برئاسة الاتحاد العالمي للصقارة والمحافظة على الطيور الجارحة (IAF)، بعد انتخابها بأغلبية الأعضاء في ختام أعمال الجمعية العمومية التي انعقدت في 22 أكتوبر من ذلك العام في مدينة بمبرغ بألمانيا. كذلك قامت الإمارات بإطلاق مشروع أرشيف الصقارة في الشرق الأوسط لتوثيق وحفظ التراث المكتوب للصيد بالصقور في المنطقة، وإعادة إحياء الاهتمام بالمؤلفات التاريخية القديمة حول الصقارة العربية، ليكون بمثابة مكتبة متكاملة من التراث الفريد من الوثائق والمراجع العلمية في هذا المجال. وفي ديسمبر عام 2016، تم افتتاح «مدرسة محمد بن زايد للصقارة وفراسة الصحراء»، التي تسعى لزيادة الوعي بقيمة الصقارة كتراث وفن إنساني مشترك، وغرس المبادئ والممارسات الصحيحة للصقارة العربية في النشء وترويج التقاليد المستدامة للصقارة العربية، ونشر مبادئ وأخلاقيات الصقارة العربية على المستوى العالمي، وتعزيز الطابع التراثي للصقارة وتقديمها كواجهة تراثية وثقافية مهمة في إمارة أبوظبي.

كذلك تضمنت جهود الإمارات في مجال الحفاظ على الصقارة والصقور، إطلاق صندوق محمد بن زايد للمحافظة على الطيور الجارحة، بتمويل مبدئي قدره 20 مليون دولار أميركي، لتنفيذ مشروعات المحافظة على الطيور الجارحة، بالتعاون مع العديد من الشركاء الدوليين والوطنيين.


قام الشيخ زايد بطرح برنامج إطلاق الصقور، وإعادتها إلى الطبيعة للحفاظ على المجموعات البرية.

2018

فازت الإمارات برئاسة الاتحاد العالمي للصقارة.

2010

تم تسجيل الصقارة في «اليونسكو».

2016

تم افتتاح مدرسة محمد بن زايد للصقارة وفراسة الصحراء.

عمل الشيخ زايد على تطبيق مفهوم الاستدامة والحفاظ على البيئة.


«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات، اليوم، وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.

طباعة