اطمأنوا لمقولة أن الفيروس يقتل فقط كبار السن

«كورونا»: غرف العناية الفائقة في كولومبيا مكتظة بالشباب

الحكومة أقرّت حجراً صحياً صارماً لمن تجاوزوا 70 عاماً وتم تمديده إلى نهاية أغسطس المقبل. من المصدر

استفاق ميغيل فيلانديا من غيبوبة استمرت 10 أيام ليجد نفسه موصولاً إلى أنبوب في أحد مستشفيات بوغوتا، فقد كاد يموت لظنه، كما الكثير من الشباب، أن فيروس كورونا المستجد يقتل فقط كبار السن.

وكان ميغيل، ابن الـ31، يظن أنه يتمتع بمناعة لا تُهزَم، فهو يعيش حياة صحية، ولا يعاني أي أمراض، و«شديد الانتباه إلى النظافة».

لكنّه مع ذلك أصيب بالعدوى على ما يبدو حين كان في السوق، ولم يكن يضع كمامة. وبقي شهراً بين الحياة والموت في مستشفى «إل تونال» الحكومي، في جنوب العاصمة الكولومبية.

وينتمي هذا المحاسب إلى الشريحة العمرية 20 إلى 39 عاماً، التي سُجل فيها أكبر عدد من حالات «كوفيد-19» في كولومبيا، أي نحو 45% من إجمالي الحالات البالغ 97 ألفاً، بينها 3300 حالة وفاة، بحسب الإحصاءات الرسمية.

وتشكل العاصمة بوغوتا، التي يبلغ عدد سكانها ثمانية ملايين نسمة، البؤرة الرئيسة للوباء في البلاد، إذ بلغت نسبة الإصابات فيها 30% من مجمل الحالات.

ومن بين 146 مريضاً أدخلوا العناية الفائقة، يشكل الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 20 و39، نسبة 14%، لكن يرجّح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير في الواقع، لأن الحالات المحتملة تشكل ثلاثة أضعاف الحالات المؤكدة رسمياً.

ومع أن نسبة الوفيات في صفوف هذه الشريحة العمرية منخفضة (5%) بالمقارنة مع المرضى الذين تراوح أعمارهم بين 60 و79 (نحو 73%)، فمن الملاحظ أن مزيداً من الشباب المصابين بفيروس «كورونا»، يعالجون في وحدات العناية الفائقة.

إعادة التأهيل صعبة

وتسجّل نسبة إشغال وحدات العناية الفائقة في مستشفيات بوغوتا تزايدا مطّرداً، وباتت تتجاوز 73%. ويعالج شباب مثل ميغيل في عدد من هذه الوحدات، بينما كان من المتوقع أن تكون الحالات التي تعالج بها محصورة في أشخاص أقل مناعة بفعل العمر أو الأمراض المزمنة التي يعانونها.

وقال ميغيل في غرفته المتواضعة التي بقي معزولاً فيها 10 أيام بعد مغادرته المستشفى في 15 يونيو الفائت: «صحيح أنني لم أنتبه كما يجب، لكن من الملاحظ أن الشباب هم الذين يصابون» بفيروس كورونا المستجد.

وأظهرت الفحوص أن ميغيل تخلّص من الفيروس، لكنّه لايزال يعاني مضاعفاته، وتشهد على ذلك العكازات الملقاة على سريره.

فهذا الشاب يعاني اضطراب تدلّي القدم الذي يمنعه من رفع الطرف الأيسر السفلي. ويجهل الأطباء ما إذا كانت «القدم فقدت الذاكرة» بسبب الفيروس، ولا يعرفون هل سيكون ميغيل قادراً على المشي مجدداً بصورة طبيعية.

وواظبت عالمة النفس على إسماع ميغيل رسائل صوتية عاطفية ومؤثرة من القريبين منه، عندما كان في حال الغيبوبة الاصطناعية، لكنه لم يعلم بذلك إلا بعد استفاقته، وعندها شخّص الأطباء مشكلة تنفسية جديدة استدعت استنزاف السائل المتجمع في إحدى الرئتين. ولايزال ميغيل يذكر الألم الناتج عن هذا الاستنزاف.

وقال ميغيل الذي كان ترك وظيفته لدى أخصائي نظارات قبل جائحة «كوفيد-19»، وأطلق عمله المستقل «هذا المرض أدى إلى تأخير كل مشروعاتي، بل دمّرها».

ولاحظ جون بارا، رئيس وحدة العناية المركزة التي أدخل إليها ميغيل وهو يتنفس بصعوبة، أن ثمة تزايداً في عدد الأشخاص المصنفين ضمن فئة «سن الإنتاج»، الذين يمكن رؤيتهم موصولين إلى جهاز تنفس اصطناعي، مشيراً إلى أن هذه الزيادة تزامنت مع تخفيف تدابير الحجر المنزلي التي أقر تطبيقها قبل نحو 100 يوم.

وقال هذا الطبيب البالغ 38 عاماً: «لا شيء مؤكداً في ما يتعلق بهذا المرض، ونلاحظ أن المزيد من الشباب يصابون به لأنهم يخرجون من المنزل أكثر من سواهم».

وندد أطباء وخبراء بالرسالة التي وجهت إلى الشباب في بداية الجائحة، عندما أقرت الحكومة حجراً صحياً صارماً لمن تجاوزوا 70 عاماً، وتم تمديده إلى نهاية أغسطس المقبل. ومع أن الإصابات والوفيات آخذة في التزايد، يتم رفع القيود عن المزيد من الأنشطة بهدف إطلاق عجلة الاقتصاد.

عرّضوا أنفسهم للخطر

أوضحت رئيسة الممرضات في وحدة العناية الفائقة بمستشفى «إل توناي»، فرناندا كاستانيدا (30 عاماً)، أن «كبار السن مكثوا في بيوتهم وأخذوا احتياطاتهم، لكن ماذا فعل الشباب؟ لقد خرجوا وعرّضوا أنفسهم للخطر، وما نراه الآن هو نتيجة لذلك».

ومع ذلك، من غير المتوقع العودة إلى الحجر الكامل. وفي تغريدة لها عبر موقع «تويتر»، لاحظت وزيرة الصحة السابقة، أليخاندرا غافيريا، أن «الشباب قرروا الخروج، وما عادوا يخشون أن يصابوا بالعدوى، إنها ظاهرة عالمية لا رجعة فيها».

ووسط ضجيج المعدات في وحدة العناية الفائقة، تكافح الممرضة القلق: «آخر المرضى الذين فارقوا الحياة كان في الـ38، وقد شعرنا بتأثر كبير لوفاته». وأمام المستشفى، كانت عائلات المرضى الذين يعانون الغيبوبة، يرسلون إليهم رسائل صوتية ومقاطع فيديو عاطفية.


- الشريحة العمرية بين 20 و39 عاماً سجلت أكبر عدد من حالات «كوفيد-19».

طباعة