عرفت بأنها الـ «سوبر موديل» الأولى و«فينوس أميركا»

أودري منسن.. «الآنسة مانهاتن» البرونزية المنسية

لكل إنجاز حكايته الخاصة، التي تختلف مع اختلاف صاحبه، ونظرته إلى ما يحيط به، سواء كان لوحة فنية، أو منحوتة، أو تصميماً هندسياً، أو مجموعة أزياء، أو حدثاً غيّر مجرى التاريخ. ومهما اختلف العمل في تركيبته، والخيوط غير المرئية التي شكَّلته، التي لا تراها سوى عين صاحبه، تبقى الشخصية الملهمة هي المعيار الوحيد الذي لا يتغير، وتبقى تلك العلاقة الغامضة والمثيرة للجدل بها هي الشرارة الحقيقية التي تستفز الابتكار.. فمن هنّ الملهمات في التاريخ؟


جميلة، وفقيرة، وجريئة، تلك كانت الصفات التي دفعت بالشابة أودري منسن، إلى أن تتحول وفي واحدة من أكثر الفترات الفنية عطشاً في نيويورك، إلى الملهمة الأولى والأهم لكثير من الفنانين، والنحاتين تحديداً، متحولة بجسدها الرقيق المنحوت بدقة، إلى مجموعة لا تحصى من التماثيل الأشهر التي تغطي مناطق عديدة من هذه المدينة المثيرة.

عُرفت بأنها «العارضة المثالية»، وذكرت في الصحف بتبجيل وإعجاب وصل إلى حد أن يقال عنها «لتنحني نيويورك أمام الآنسة مانهاتن الحقيقية»، وقد يكون من الطريف أن يلتقط سائح صورة في مناطق نيويورك الشهيرة بخلفية لتمثال تاريخي أنيق، وأن يمر النيويوركيون اليوم بتماثيلها البرونزية، دون أن يعلموا أن صاحبة هذه التماثيل، والعارضة التي وقفت لنحتها، هي ذاتها التي اشتهرت بألقاب مثل «الآنسة مانهاتن»، و«فينوس الأميركية»، و«فتاة باناما باسيفيك» وغيرها الكثير، وبأن واحدة من أشهر ملهمات الفن في القرن الـ20 في نيويورك، وملهمة نحاتيها بسبب مقاييس جسدها ووجهها المثاليين، والتي يمكن اعتبارها، الـ«سوبر موديل» الأولى في أميركا، لينتهي بها المطاف في مستشفى للأمراض العقلية، بعد معاناة من الاكتئاب وانفصام الشخصية، وأن تُنسى تماماً، كحال تماثيلها البرونزية، حتى وفاتها بعمر 104 أعوام، وتدفن في قبر لا يحمل اسمها.

طفولة قصيرة

ولدت أودري ماري مانسن في روتشستر، في نيويورك، في الثامن من يونيو عام 1891، لإدغار مانسن، وكاثرين، النيويوركيين أيضاً، وهو الزواج الذي لم يستمر، حيث تَطلَّق والداها وهي لاتزال في عمر الثامنة، لتنتقل أودري ووالدتها إلى مدينة بروفيدنس في ولاية رود آيلاند، لسنوات، وهي الفترة المبهمة من حياة أودري.

عادت أودري ووالدتها عام 1909 إلى نيويورك، حين كانت في الـ17 من العمر، وهي الفترة التي سعت فيها الفتاة الشابة إلى العمل في عالم التمثيل والعروض، لتشارك في عدد من العروض في «برودواي» في مسرح نيو أمستردام، إلا أن هذه العروض لم تكن السبب الرئيس لشهرتها الواسعة.

اكتشاف

لم تكن تعلم أودري أو والدتها، أن تلك الجولة البسيطة، وتأمل شبابيك متاجر «الجادة الخامسة» الأنيقة في نيويورك، قد تكون سبباً في التحول الكبير في حياة الشابة الجميلة، ففي تلك اللحظة، تقدم من الفتاة ووالدتها، المهندس الكهربائي والمخترع والمصور الشهير فيلكس بينيدكت هيرزوغ، الذي طلب منها آنذاك أن تنضم إليه في الاستوديو، رغبة منه في التقاط بضع صور لها.

بعد اكتشاف مانسن من قبل هيرزوغ، قدمها الأخير، إلى دائرة معارفه الفنية الكبيرة، حيث بدأت في التموضع لعدد من الفنانين، كان من أهمهم وأشهرهم النحات النمساوي الشهير إيسيدور كونتي، الذي كان النحات الأول في حياة مانسن. ليفتح هذا العمل للشابة التي اشتهرت بأنها صاحبة تقاسيم الوجه والجسد المثاليين آنذاك، باب العمل لعدد كبير مع أشهر الفنانين في تلك الفترة، ومن ضمنهم رسامون ومصورون، إلا أنها استمرت كعارضة نحت بشكل رئيس على الرغم من ذلك.

شهرة واسعة

عملت مانسن لعدد لا يحصى من النحاتين والفنانين، وبحسب صحيفة «ذي صن» النيويوركية، التي قالت عنها، «أكثر من 100 فنان يجمع على أن صفة الآنسة مانهاتن لا يمكن أن تطلق تحديداً إلا على هذه الفتاة الشابة».

لم تتوقف شهرة مانسن عند هذا الحد، بل استطاعت عام 1915 أن تتحول إلى العارضة الأميركية الأشهر، بعد أن تم اختيارها من قبل النحات الأميركي الشهير أليكساندر ستيرلينغ كالدر، عارضة، ووجهاً خاصاً بالمعرض العالمي الشهير «إكسبو باناما باسيفيك الدولي»، باعتباره النحات الرئيس والمسؤول عن الحدث، الذي أقيم في سان فرانسيسكو في ذلك العام.

استطاع الحدث العالمي أن يحول مانسن إلى العارضة الأشهر، حيث انتشرت المنحوتات التي تصورها في أكثر من 90 مرة، متعانقة السماء على مبنى واحد فقط، وفوق أعمدة «باحة الكون»، وغيرها من الباحات العالمية التي زينت وأحاطت بمنطقة المعرض، حيث تم استخدامها في ثلاثة أخماس المنحوتات في منطقة الحدث، حاصدة لقب «فتاة باناما باسيفيك».

أفلام صامتة

على الرغم من الشهرة الواسعة التي حققتها مانسن كعارضة، والتي ساعدتها على الحصول على عروض لأفلام صامتة، إلا أن الأمر لم يستمر طويلاً، حيث كانت بطلة الفيلم الصامت «إلهام» عام 1915، الذي حظي بنجاح كبير على شباك التذاكر، إضافة إلى ثلاثة أفلام أخرى.

من الحب ما قتل

في عام 1919 كانت أودري منسن ووالدتها تستأجران منزلاً أنيقاً في مانهاتن، مملوك للدكتور وولتر ويلكينز، إلا أن الأخير وقع في غرام منسن لحد الهوس وارتكاب جريمة قتل في حق زوجته جوليا، ليكون حراً للزواج بمنسن، الأمر الذي جعلها ووالدتها تهربان من نيويورك، وبعد بحث حثيث على نطاق قومي، استطاعت السلطات تحديد مكانهما لبدء التحقيق في الجريمة، حيث أصرت وأكدت منسن أنها لم تكن متواطئة في الجريمة، أو على علاقة بالدكتور ويلكينز، الذي دين بتهمة القتل، وحكم عليه بالإعدام بالكرسي الكهربائي، إلا أنه أقدم على الانتحار شنقاً في زنزانته قبل موعد الحكم.

طباعة