مُسن جمع مكتبة من مكبّات النفايات ويعيش مع رواياته على الرصيف

في «ميدان فلسطين».. «أبو وحيد» يجد الأنس مع شمعة وصفحات قديمة

صورة

المتجوّل ليلاً في ميدان فلسطين، الذي يتوسط شارع عمر المختار في شرق مدينة غزة، يشاهد ضوء شمعة يشع من خيمة صغيرة، وما إن يقترب يفاجأ بمُسن ممسك بكتاب مهترئ، يدقق فيه مقلّباً صفحاته، ومن حوله مجموعة كتب قديمة، تعد رفيقه وأنيسه في هذا المكان.

تلك الكتب لم يشترها الستيني صالح الجوجو

(أبو وحيد) من مكتبة، أو يحصل عليها من صديق كهدية، وإنما جمع صفحاتها من مكبّات النفايات، والتي تمثل هوايته منذ 10 سنوات مضت، لتهون عليه حالة التشرد التي يعيشها منذ عام 1998، بسبب الاحتلال الذي هدم منزله.

(أبو وحيد)، الذي كان له من لقبه نصيب، عاش وحيداً طوال حياته، إذ لم يتزوج، ولم يكن له من يسانده في الدنيا، إذ اعتاد في البداية النوم على أرصفة الشوارع، التي خبأت له سراً اكتشفه منذ 10 سنوات، وهي المدة التي قضاها في البحث عن الأوراق، وجمعها في كتب متنوعة.

تجاور خيمة «مكتبة»

(أبو وحيد) المحال التجارية والبسطات الصغيرة في ميدان فلسطين، إذ يقرأ بجوار شمعة يضعها بجانب سرير صنعه من الأخشاب، وبجانبه عربة صغيرة يجمع فيها الكتب التي أفنى جزءاً من عمره في البحث عن صفحاتها المتناثرة.

هدموا منزلنا

يسرد المُسن تفاصيل حياته لـ«الإمارات اليوم» وهو يتوسط مكتبته الصغيرة التي جمعها بيده قائلاً: «منذ عام 1998 وأنا أنام في الشوارع، وذلك بعد أن هدم منزلنا بفعل ممارسات إسرائيل، ولم يتبقَّ لي أحد من أشقائي، فلم أجد صدراً يضمني سوى قارعة الطريق، ففي الليل أنام بين الأزقة وجدران المحال والمنازل، وفي النهار كنت أتجول لأبحث عن أي مصدر دخل، فأحياناً أبيع المشروبات الساخنة للمشترين وأصحاب المحال التجارية في عربة صغيرة، أعددتها لحفظ الكتب التي أجمعها فيها».

ويضيف «في إحدى المرات التي كنت أبحث فيها في مكبّات النفايات عن قطع من الكرتون لإشعالها، حتى أستمد منها الدفء، وجدت عدداً من صفحات كتب مهترئة، ومتناثرة، أخذتها وقرأتها، وهي بقايا رواية اسمها (فداء)، وأعجبت بمضمونها، وقررت وقتها البحث عن بقية صفحاتها في مكبّات النفايات الأخرى، ونجحت في ذلك، وكانت تلك بدايتي في جمع الكتب والروايات».

تغيير اتجاه

بعد تجميع «فداء»، قرر (أبو وحيد) تغيير اتجاه حياته بما هو مفيد له، فمنذ عام 2008 يتجول بين مكبات النفايات في مناطق متعددة، التي تصل إلى 80 مكباً، لجمع أوراق الكتب والروايات القديمة.

ويشرح آلية تجميع صفحات الكتب التي يبحث عنها: «أجمع صفحات الكتب من مكبات النفايات، وتكون مبتلة ومتسخة، وأقوم بتنشيفها وتنظيفها، ومن ثم أقرأها بعناية، بغية تجميعها مرة أخرى بشكل مرتب ومنظم».

ويشير المُسن الفلسطيني إلى أن الكتب التي جمعها نالت إعجاب أصدقائه، وكذلك أصحاب المحال التجارية عندما قرأوها، ما دفعه للكشف حديثاً عن تلك الروايات والكتب التي جمعها، وإطلاق مبادرة للحفاظ على الروايات والكتب من الاندثار، حتى بات مصدراً للكتب القديمة، ونسخها وطبعاتها الأولى.

الجهد الذي يقوده

(أبو وحيد)، والمبادرة التي يشرف عليها بنفسه، أضافت تغييراً - وإن كان بسيطاً - على حياته، إذ أنشأ ما يشبه خيمة من الصفيح والخشب، في أحد أزقة شارع عمر المختار، إذ يحتفظ بمئات الكتب التي جمعها بشق الأنفس، على رفوف حديدية تملأ المكان، وجزء آخر وضعه في أغلفة ورقية، لتكون خيمته هي مأواه ومأوى رواياته أيضاً.

«فداء».. البداية

من بين الكتب التي جمعها (أبووحيد) كاملة، رواية «فداء»، التي نجح في إعادة تصنيفها بجهده، كما جمع ديواناً للشاعر الراحل نزار قباني، ومجموعة روايات للكاتب المصري إحسان عبدالقدوس، فيما يتفاخر بأنه جمع صفحات كتاب «سيرة شجاع»، وآخر يروي حياة الكاتب جبران خليل جبران، بالإضافة إلى روايات وكتب أجنبية وعربية، وقصص هندية.


10

سنوات قضّاها

المُسن الغزاوي

في البحث

عن الأوراق، وجمعها

في كتب متنوعة.

طباعة