«حارسات تراث» أدواتهن الصبر والإنصات وقراءة لغة الجسد

3 مواطنات يعشقن النبـش فـي ذاكرة الأجداد

صورة

شرينة القبيسي، مريم المزروعي، وميثاء الزعابي.. ثلاث إماراتيات، جمع بينهن عشق الماضي، وحكايات كبار المواطنين، وتفاصيل حياة الأجداد التي سخرن لها سنوات طويلة، غصن خلالها في الزمن الأول؛ بما فيه من لحظات عصيبة، معتبرات أن مهمتهن هي النبش في الذكريات، وتوثيق الروايات غير المكتوبة، وصياغتها ونقلها إلى أجيال المستقبل.

يحرك المواطنات الثلاث شعور وحيد، وهو الرغبة الصادقة في الحفاظ على كل يوميات الماضي وأسراره، وجمعه من ألسنة الرواة من كبار المواطنين الذين عايشوه لحظة بلحظة، وأدواتهن في ذلك الصبر والإنصات وقراءة لغة الجسد.

«الإمارات اليوم» التقت «حارسات التراث» الثلاث في مقر عملهن بالأرشيف الوطني في أبوظبي، ليسردن طبيعة مهمتهن، وأبرز القصص والأحداث التي تمكنّ من تدوينها على ألسنة الأجداد.

سيرة الإنسان

وعن مهمتها التي وهبت لها أكثر من 15 عاماً، تقول رئيس وحدة التاريخ الشفاهي بالأرشيف الوطني، شرينة القبيسي، لـ«الإمارات اليوم»: «لقد تمكنت خلال رحلتي في عالم جمع التاريخ الشفاهي، من جمع عشرات من شجرات القبائل الإماراتية التي تضرب بجذورها لمئات السنين، ثم اتجهت لجمع التاريخ الخاص بسيرة الإنسان الإماراتي القديم وكل أسراره، وتفاصيل حياته اليومية».

وتضيف: «منذ اللحظة الأولى لدخولي هذا العالم، أدركت أن مهمتي ليست بالسهلة، ولكن ما حفزني للمضي قدماً في هذا المجال، إيماني بنبل الرسالة ودورها الوطني في تدوين وتوثيق تاريخ وتراث وطني، لاسيما الذي لم تذكره الكتب، وكاد أن يكون في طي النسيان».

وتوضح شرينة أن مهمة فريقها الأساسية النبش في ذاكرة الآباء والأمهات من كبار المواطنين، وإثارة مشاعرهم لإخراج ما بصدورهم من أحداث ومعلومات وتفاصيل، تساعد على توثيق أحداث وأوضاع، لم تدون في الكتب التاريخية، ومنها الأحداث الفرعية التي حفظت في ذاكرة الناس. وتكمل: «التاريخ الشفاهي الوسيلة التي ترصد الروايات التاريخية غير المكتوبة التي مازالت خفية ولا يعرفها إلا من عايشوها، ما يجعل تفاصيل الماضي كالصورة المشوشة غير واضحة المعالم، التي يحاول جامعو التاريخ الشفاهي فك طلاسمها ورموزها».

وعن الإجراءات المتبعة في عمليات الجمع؛ تلفت إلى أن الخطوة الأولى تتمثل في التواصل مع فئات المجتمع المختلفة، بهدف الحصول على رواة من كبار المواطنين، وإرسال دعوة إليهم بمضمون المقابلة بحسب تخصصاتهم، والحصول منهم على الموافقة للتسجيل أوالتصوير، ثم إرسال نموذج من الأسئلة التخصصية للراوي للاطلاع عليها، وتحديد وقت ومكان إجراء المقابلة بما يناسب ظروفه، وتجهيز الأجهزة اللازمة للتسجيل، إضافة إلى استمارة براءة الذمة. وأثناء جلسة التسجيل - حسب شرينة - توثق المقتنيات التاريخية التي يمتلكها الراوي، إن وجدت، وتضم إلى ملفه الشخصي، والتعهد بإرسال ما تم تفريغه من محتوى المقابلة له للاطلاع عليه عند طلبه، والحرص على تقديم شهادة شكر وتقدير له على ما منحه للباحث من وقت ومعلومات، ثم تحليل المقابلة وتصنيفها وفقاً لعناصر المكان والزمان والمنطقة والأحداث، وتحويلها إلى نص مكتوب باللغة العربية الفصحى لحفظه.

تحديات وليست صعوبات

من جهتها، ترجّع باحثة التاريخ الشفاهي، مريم المزروعي، التي قضت أكثر من خمسة أعوام في مهمة جمعه من ألسنة كبار المواطنين، الأسباب التي دفعتها لاختيار العمل في هذا المجال إلى فترة مبكرة من حياتها، مضيفة: «منذ صغري تملكني الشغف بتاريخ آبائنا الأولين، وكانت تطربني حكايات كبار المواطنين من جيراننا وأقاربنا الذين كانوا يسردونها لنا في أيام الطفولة، لنغوص معهم في كل تفاصيلها، وبدأت بتجميع هذه الحكايات وتسجيلها لتكون مرجعاً شخصياً لي. ومنذ ست سنوات فقط انضممت إلى فريق جمع التاريخ الشفاهي التابع للأرشيف الوطني».

وكان مهرجان سلطان بن زايد للتراث بمنطقة سويحان بمثابة نقطة انطلاق مريم، التي حملت معدات التسجيل والتوثيق لتذهب قاصدة «الكبار» من رواد المهرجان لتدون حكاياتهم، وتسجل أدق التفاصيل، وكلما استطردوا في حديثهم تملكها الشعور بالحماسة والمسؤولية والفخر الذي يتضاعف كلما غاصت معهم في الماضي الإماراتي الأصيل.

وترى أن مهمتهن ليست بالسهلة، ولكن يؤمن فريقها بدوره الوطني في حفظ تاريخ بلاده، ويدرك حجم المسؤولية التي ألقيت على عاتقه، وتتبلور التحديات التي تواجهه في صعوبة الوصول إلى الرواة من كبار المواطنين الذين عاصروا الأحداث التي تتعلق بتاريخ الدولة، خصوصاً أن كثيرين منهم حالتهم الصحية وذاكرتهم الضعيفة لا تسعفهم لسرد المعلومات والتفاصيل، إضافة إلى عدم تفهّم البعض لطبيعة عمل جامعي التاريخ الشفاهي. وتشير مريم المزروعي إلى أن طبيعة عملها تختص بجمع المعلومات التي ترتبط بتاريخ الحياة الإماراتية، بكل ما فيها من مناسبات سعيدة أو حزينة، والتي منها معاناة المرأة أثناء مراحل الحمل والولادة، والأمراض التي فتكت بها أثناء الوضع، والعلاجات التقليدية التي لجأت إليها للتداوي، إضافة إلى رصد معاناة بعضهن ممن فقدن ذويهن من الذكور وعائلهن الوحيد أثناء عمليات الغوص الكبير، والذكريات الموجعة الخاصة بأيام المجاعات، والأمراض الفتاكة التي قضت على أبنائهن وأقاربهن، كالطاعون والكوليرا التي انتشرت في الإمارات أثناء الحرب العالمية الثانية.

مهارات ومقومات

من ناحيتها، تؤكد رئيس قسم التاريخ الشفاهي ودراسات الأنساب، ميثاء الزعابي، أنها استطاعت خلال رحلتها التي تمتد إلى أكثر من 10 سنوات، اكتساب العديد من المهارات التي انعكست على شخصيتها، مضيفة «أكسبتني هذه الرحلة فنون الصبر والإنصات والقدرة على التركيز المتواصل ساعات عدة، وقراءة لغة الجسد الخاصة بالراوي أثناء المقابلة التي تعد من أهم الأدوات التي يجب أن يمتلكها جامع التاريخ الشفاهي».

وتشير إلى أنها تزداد سعادتها كلما نجحت في اكتساب محبة المسن، ونجحت في إثارة رغبته ودغدغة مشاعره في إخراج كل ما بداخله من معلومات ليتذكر أدق التفاصيل والأحداث التي مرت عليه، وتشعر بأنها أنجزت مهمتها على أكمل وجه عندما يطلب منها أحدهم أن تعود إليه من جديد ليسرد لها المزيد من التفاصيل.


نافذة على الماضي

يهدف جمع التاريخ الشفاهي، حسب المواطنات الثلاث، إلى توثيق الذاكرة الشفاهية للرواة الذين تعد حكاياتهم مرجعاً تاريخياً بأصواتهم وتعابير وجههم، لتكون رواياتهم نقطة أساسية في توثيـــق ما لم يرصـد في الوثائق الرسمية المكتوبة.

وأكدت المواطنات أن عمليات الجمع للتاريخ الشفاهي مشروع وطني سيسهم في تكوين قاعدة معلومات واسعة، تسهم في إثراء الأرشيف الوطني بها، لاستخلاص المواد التاريخية التي لم تسرد في الكتب، لتكون بمثابة نافذة يطل منها النشء الجديد على حياة الآباء والأجداد بمناطق الإمارات كافة قبل قيام دولة الاتحاد وبعده.

15

عاماً قضتها شرينة القبيسي في جمع التاريخ الشفاهي وتوثيقه.

طباعة