بعد 33 عاماً قضاها مديراً لإحدى مدارس أبوظبي

حسن علي.. خيوط «الديين» تزيّن متاعب التقاعد

مفترشاً الأرض، وحوله كميات كبيرة من الخيوط الملونة والحبال التي يصنعها بيديه، ابتسامته لا تفارق محياه، وهو يغزل بيديه القويتين أحجاماً متعددة من «الديين» (الحبل الذي يستخدمه صياد اللؤلؤ)، لتكون المفاجأة أنه بدأ تلك الصنعة من فترة قريبة، بعد 33 عاماً قضاها مديراً لمدرسة في منطقة الرحبة في العاصمة أبوظبي. إنه المواطن حسن علي، الذي قرر بعد تقاعده أن يبني علاقة خاصة مع التراث المحلي، ووجد في غزل «الديين» وصنع الحبال من النخيل فسحته وتسليته، وهواية أحبها وأبداع فيها، وصنع من خيوطها رحلة ذكريات ملونة، تغلب فيها على مصاعب التقاعد. وأكد حسن علي لـ«الإمارات اليوم» أنه منذ أن كان مديراً للمدرسة كان يحرص دائماً على تعزيز التراث الإماراتي، ويعمل بشكل مستمر على تخصيص أيام للاحتفاء بهذا التراث بشكل مستمر: «فمن ليس له ماض ليس له حاضر، وهذا ما تعلمناه من أبينا المغفور له الراحل الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه».

عودة إلى الماضي

يقول حسن وهو يعود إلى الماضي، وتحديداً إلى عام 1981: «عملت مديراً لمدرسة في منطقة الرحبة في العاصمة أبوظبي، ومنذ ذلك الوقت إلى أن تقاعدت قبل بضع سنوات، كنت شاهداً على تطور الأجيال، وطريقة تعاطيهم مع الحياة، ولمست الوقت الذي دخلت فيه التكنولوجيا حياة أبنائنا، وأدركت وقتها أن دعم التطور واجب، لكن علينا موازنته مع ما تعلمناه في الماضي، فلابد من العمل على ربط تراثنا بحاضرنا، فالتراث هوية، ويجب أن نظل نفخر بتراثنا». وأضاف «لمدة 33 عاماً كنت أحرص على تعزيز التراث في اليوميات المدرسية، وكنت أتابع بشغف ما يقدمه الطلاب، وأثني عليه باستمرار، وكنت كمحب للتراث أشارك معهم، وأعمل يدي بيدهم على تقديم ما كان أجدادنا وآباؤنا يعملون به، من صنع (الديين)، وصنع القوارب، والأشرعة، وشباك الصيد، وكل الأعمال اليدوية التي كانت جزءاً من تاريخنا».

التقاعد

يؤكد حسن أن موضوع التقاعد حالة تشغل بال كثيرين، وتحديداً من اعتاد العمل اليومي ساعات طويلة، فهو لا يعرف معنى الراحة، أو الروتين اليومي، كل هذا يسبب الحزن بعد التوقف عن العمل. وقال: «لقد أدركت منذ زمن ما أريده، وما الذي سيجعلني أبتهج بعد تقاعدي، أدركت تعلقي بالتراث، فما كان مني إلا أن أختار ما أريد العمل به ليكون ملاذي في سنوات التقاعد». وأضاف: «قررت غزل (الديين)، وهو الوصف المحلي لبيت المحار، وعملت على أن أصنعه بكل الأحجام، فالصغيرة تصلح لديكورات من يحب التراث، ويستخدمه، والمتوسطة والكبيرة لجامعي المحار». وأوضح: «أقضي ساعات وساعات من دون ملل وأنا أغزل تلك الخيوط بكل ألوانها المتنوعة، وأتفنن في تنويع أحجامها، وأعطيها من الحب الكثير»، مضيفاً: «الحب هو الذي يصنع التميز في كل شيء، ويجب عليك أن تحب ما تعمل كي ترضى بما تقدم».

مشيراً إلى أن غزل «الديين» هو الذي جعل تقاعده مرحلة محببة: «فمع كل خيط أعود إلى ذكريات مضت، وابتسم، لذلك تجدون ابتسامة دائمة على وجهي، بسبب الرضى، ولأنني لم أجعل من تقاعدي محطة يأس، بل محطة لاكتشاف ما لديّ من مواهب، والتي أقوم حالياً بتعزيزها لكل فرح».

«الديين» والحبل

حسن الذي لا يترك مناسبة مرتبطة بالتراث إلا و يشارك فيها، قال «إلى جانب غزلي لبيت المحار (الديين)، أقوم بصناعة الحبال التي تأتينا من شجر النخيل». وقال «الديين وصناعة الحبال تجعلني على تماس مباشر بما تنتجه الأرض»، موضحاً: «عندما أكون بين كومة مما نستخرجه من جذع النخيل، ويكون شكلها أقرب إلى القش، أبدأ بأخذ مجموعة منه، وأعمل على تسويته بين يدي، اشتم رائحته، وأبدأ بتدويره وتمليسه، إلى أن يصبح قوياً، وأعمل على فركه، واستمر في تلك العملية إلى أن يبدأ بالتكاتف، وينزل من بين يدي على شكل حبل قوي ومتين». وقال «والديين كذلك، لكن الخيوط تكون جاهزة، وما عليّ إلا أن أغزلها بشكل محبب، وأصنع منها سلال المحار الجميلة». مؤكداً «هذه الصنعة أعطتني فرصة لأفكر بطريقة مختلفة، وأكتشف تراثي العريق».

نصيحة

على الرغم من أن حسن عمل مديراً لمدرسة لمدة 33 عاماً، لكنه لم يعمل أبداً في التدريس. وقال وهو يضحك «عملت مدرساً حصة واحدة فقط، عندما غاب استاذها، وكانت حصة رياضيات». وقال «أنصح الجيل الحالي، الذي لا يرفع رأسه من شد تعلقه بأجهزة التكنولوجيا، بألا يجعل تلك الأجهزة تأسره، بل عليه أن يكون وسطياً في التعامل معها، ففي الحياة الكثير من الأمور الجميلة والممتعة التي يجب أن يتم اكتشافها، والاكتشاف يكون دائماً من خلال التماس مع كل ما حولنا، فأنت عندما تشم زهرة سيكون وقعها أكبر من رؤيتها عبر شاشة كمبيوتر، وعندما تجلس وتتحادث مع أصدقائك سيكون الوقع مختلفاً عن إرسالك رسائل نصية إليهم». وأضاف «التطور مطلوب، لكن دون أن يلهينا عن ما حولنا من حياة جميلة تستحق النظر إليها».

• «هذه الصنعة أعطتني فرصة لأفكر بطريقة مختلفة».

• «كنت بشكل مستمر أخصص أياماً للاحتفاء بالتراث بشكل مستمر».

• 1981 التحق بعمله مديراً لمدرسة في منطقة الرحبة.

طباعة