قلعة البدوي الأصيل.. واحة عامرة بالطيبة والكرم

ليوا.. بوابة تاريخ لم تطأها قدم عدو

صورة

ينتاب الدالف إلى محاضر ليوا شعور بأنه يمتزج مع التاريخ ذاته، فهي بوابة التاريخ، وكل ذرة من ترابها حرف مضيء في سيرة الرعيل الأول، واليوم أصبحت ملحمة التطوّر والمجد التي يعيشها أبناء الوطن.

تقع محاضر ليوا في قلب منطقة الظفرة، وتعرف بأنها قلعة البدوي الأصيل، وحصن الإماراتي الشجاع، وواحة عامرة بالطيبة والكرم والنخوة، وكانت ملجأ أبناء أبوظبي في الماضي، وحصنهم المنيع الذي لم تطأ أرضه قدم عدو، ولم يعش فيها غريب في يوم من الأيام، وتجد فيها الأصالة بكراً، ويشدك فيها الحنين إلى الماضي بقوة، وتحظى باهتمام خاص من قبل القيادة الرشيدة.

قهر الصحراء

http://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/08/184797.jpg

قال المواطن محمد بن علي المرر، إن «بدو ليوا كانوا يسكنون في المنطقة إذا سقاها الغيث ونبت عشبها فيمارسون الرعي، ويقومون بحفر الآبار لاستخراج الماء من باطن الأرض للشرب وسقي المواشي والإبل، وغالباً ما تكون مساكنهم من خيام الشعر المستخرج من وبر (صوف) المواشي والماعز، واليوم قامت الدولة بإعمار الواحات، وضخ عشرات المليارات في مشروعات بناء المساكن الشعبية الحديثة، وتشييد الطرق والجسور والمعابر، وتوفير مرافق الحياة من المدارس والمستشفيات، وتولى المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بنفسه تخطيط المدن الحديثة، وبناء المساكن الشعبية في قلب الصحراء، حيث تجمع البدو الرحل حتى أصبحت بحق قصة معجزة قهر الصحراء وتسخير المال لبناء الإنسان.. إنها قصة قائد عظيم تفانى في خدمة شعب ووطن».


عريش وخيام وتمر

يوضح المواطن عتيق عيسى القبيسي، أن «سكن الأهالي في واحات ليوا قديماً كان عبارة عن بيوت، إما عرش تشيد من سعف النخيل طلباً للبرودة في حرارة الصيف الحار، وتكون العرش ومفردها (عريش) مصنوعة من سعف النخيل، وتزداد هذه العرش في القيظ بازدياد أعداد الحضار القادمين من الساحل، أما في فصل الشتاء فيسكن الأهالي الخيام الشتوية».

ويضيف: «في القيظ يحتفل الأهالي بقطف الرطب (الجداد وتلفظ بالعامية اليداد)، من أجل تحويله إلى تمر، ويتم جني محصول الرطب الذي تحوّل إلى تمر، ثم تأتي عملية الكنز (تلفظ بالعامية الجنز)، حيث يأخذون التمر ويغسلونه ويجففونه في الشمس، إلى أن يتخلص من الماء ويجف ثم يضعونه في اليراب (عبارة عن كيس مصنوع من خوص النخيل)، ويرص فيه التمر بعد تجفيفه لثلاثة أيام أو أكثر حسب النضج عند (اليداد)».

وتعد واحة ليوا من أهم الواحات الصحراوية، فهي ذات موقع استراتيجي مهم، ومنها يمكن أن تتجه إلى أي إمارة من الإمارات الشمالية، أو الدول المجاورة، لذا تعد ملتقى القوافل القادمة من جنوب الإمارات وشرقها المتجهة شمالاً أو غرباً أو جنوباً، وتلك العابرة إلى الجزيرة العربية.

ويقسم المواطن محمد بن علي المرر (75 عاماً من مدينة زايد)، سكان واحة ليوا إلى السكان المستقرين بصفة دائمة داخل المحاضر، والقسم الآخر هم الذين يمتلكون المزارع، ويترددون عليها من أهل أبوظبي والجزر ومدن المنطقة الغربية الأخرى، ومنذ سنوات تحوّلت محاضر ليوا إلى مدينة حديثة متكاملة تتوافر فيها كل الخدمات الضرورية، إذ تم إنجاز مشروعات زراعية رائدة، وتزهو اليوم بمزارعها التي تنتج أنواعاً مختلفة من الخضراوات والفواكه.

ويرجع المرر تسمية ليوا إلى الشكل والطبيعة، فكل المحاضر عبارة عن بقع (قطع زراعية) منخفضة ذات خصوبة مرتفعة يحيط بها من جميع الجهات كثبان رملية مرتفعة تفتقر للزراعة والخضرة، التي تنمو وتزدهر تحت هذه الكثبان بمسافة أمتار قريبة فقط، بحيث يراها الإنسان وكأنها خضرة وزراعة تحتضنها الرمال (أو بالعامية تلوي عليها الرمال)، كما أن المحاضر ككل متلاوية مع بعضها بعضاً (أي متحاضنة) من أولها من جهة الشرق، إلى آخرها في جهة الغرب، ومن هنا جاءت تسميتها محاضر ليوا.

ويؤكد المرر أن حياة المقيظ (الصيف) في محاضر ليوا قديماً كان لها طعم خاص، إذ تستقبل المحاضر الحضار (أهل الحضر الذين يفدون لقضاء موسم الصيف) من أبوظبي، وبقية المدن الساحلية، والمناطق المجاورة لقضاء فصل الصيف بعيداً عن رطوبة البحر، وهرباً من درجة الحرارة المرتفعة، وطلباً للراحة والاستجمام، وأكل الرطب الطازج بين بساتين النخيل والظلال الوارفة، ورغبة في الحصول على فواكه الصيف كـ«اليح» التي تزرع في المنطقة، وما جاورها من مناطق منتجة لهذه الفاكهة التي كانت تشتهر بها واحات الإمارات، خصوصاً الواحات الرملية، مثل واحات ليوا. ويوضح المرر أن نظام الري المتبع هو النظام السائد نفسه في المنطقة المتبع في بقية واحات الإمارات، إذ تحفر الطوايا (الآبار) في المزارع، وبجانب أو وسط النخيل على «قامة أو قامتين»، وبعضهم يحفر من 10 إلى 20 «قامة»، ويسقون الزراعة بالدلو، وتسمى هذه العملية «يذاب الدلو»، مشيراً إلى أن «القامة» هي وحدة قياس قديمة لمعرفة العمق. ويذكر أن أهالي المحاضر يزرعون النخيل، ويسقى بالماء، أما الصرم (شتلة النخيل) الصغير فلا يفصلونه عن الأم إلا في موسم الزراعة المناسب، ويستدلون على ذلك بالنجوم، وبصفة عامة أنسب الأوقات «الوسمي»، ولكن بصفة عامة قبل زراعة الصرم يتم الحفر بجوار جذع شجرة النخيل «الأم» إذا شوهد اللون الأخضر هو الغالب دل ذلك على أن الوقت والصرم مناسبان للزراعة، وإذا تبين أن اللون الأحمر هو الموجود فهذا معناه أن الصرم والوقت غير مناسبين، وفي هذه الحالة يترك الصرم للموسم المقبل، وهذه طريقة اعتمد عليها أهالي المحاضر قديماً في زراعة النخيل، ومازالت هذه العادة دارجة حتى وقتنا الحاضر. ونوّه المرر إلى أن من أشهر المحاصيل التي تزرع في المحاضر اليح، وعادة تزرع في مساحات مقتطعة بجانب النخيل لكي تحميها من الرياح والعواصف.

بينما يذكر المواطن عتيق عيسى القبيسي (75 عاماً من محاضر ليوا)، أن «سبب تسمية المنطقة ربما يعود إلى أنها منطقة كانت تأوي عدداً كبيراً من القبائل ذات أطياف متنوّعة منها القبائل المستقرة بصفة دائمة في المكان، ومنها القبائل التي تأوي للمنطقة في فصل الصيف من أجل المقيظ، والاستمتاع بالجو اللطيف وسط مزارع النخيل، كما لجأت إليها قديماً القوافل والقبائل المتنقلة في إقليم الظفرة بحثاً عن المراعي، من أجل الحصول على الماء العذب للشرب، وسقي الركاب (الجمال) والبهائم، لهذا يمكن القول إنها تأوي القبائل وسط الصحراء في زمن يعد المأوى صعب المنال، ولا يصلح كل مكان أن يكون مأوى، لهذا جاءت التسمية من الفعل يأوي فشاع عليها اسم ليوا».

ويضيف: «المحاضر قديماً هي تلك الواحات الهادئة الساحرة في حسنها، والقابعة بين تلال الرمال الخلابة ببساتينها وأشجارها الغناء ومائها العذب ونسيمها العليل، وكانت تعتمد اعتماداً رئيساً على مياه الآبار تروي بساتينها، ويرتوي منها سكانها وأشجارها وبهائمها».

طباعة