نحاتة إماراتية تحذّر من «فقدان الجمهور»

عائشة جمعـــة: الجسد أقدر على إيصال الفكرة

صورة

على الرغم من الجهد البدني الذي يحتاجه فن النحت، والذي قد يكون سبباً في ابتعاد النساء عنه والتوجه إلى التشكيل، إلا ان الفنانة الإماراتية عائشة جمعة لم تتوانَ عن دخول مجال النحت، لشغفها بالمادة الحسية والأبعاد في العمل الفني. أحبت اللون في طفولتها، لكنها تخصصت في فن النحت، بعد أن تبلورت موهبتها. تجسد الفنانة الإماراتية الشخوص في حالات متعددة في الحياة الإنسانية، وتميل الى المجسمات الصغيرة التي تكونها وتوازنها وفق حسابات وانحناءات وفراغات تجعلها صالحة لأن تكون نصباً كبيرة في الساحات العامة.

وقالت جمعة في حوار لـ«الإمارات اليوم»: «أحاول أن أجسد التجربة الإنسانية في العمل بشكلها القريب من الشخص، وبالنسبة لي الجسد هو اللغة الأولى للتعبير، لذا دائماً أكون منجذبة للتعبير عن طريق الجسد، وبدأت أخيراً أتلقى دروساً في الأداء الحركي في الجسد». وأضافت أن «الجسد قادر على إيصال الفكرة بوقت قصير، وهو أقرب الى المتلقي».

متحف مفتوح

وصفت عائشة جمعة مبادرة صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، بتحويل دبي إلى متحف مفتوح، بأنها مبادرة متميزة لتشجيع العمل الفني، معتبرة أن النحت سيكون له نصيب أوفر، لاسيما أنها مجسمات ويجول المرء حولها.


استراتيجية

وضع استراتيجية واضحة للنشء والجيل الجديد، هو حق من حقوق الطفل، كما ترى جمعة، التي تابعت: «من حق الطفل أن يفهم ثقافته وثقافة العالم كله، فالثقافة أساسية ولا يجب أن تقدم في وقت الفراغ، والعالم اليوم يبذل مجهوداً مادياً ومعنوياً في إدخال الثقافة والعلوم على العمل الفني».


معارض

أكدت عائشة جمعة أنها ليست بصدد تقديم معرض شخصي في الوقت الحالي، وذلك كونها انقطعت عن الفن لفترة واتجهت الى الجانب الروحاني. ولفتت الى أنها دعيت الى مجموعة من المعارض الجماعية مع جمعية الفنون التشكيلية في الشارقة، وكان لها مجموعة من المشاركات. وشددت على انها تعد من القلة اللواتي تخصصن في فن النحت، لذا تشعر بالمسؤولية لدعم هذا الاتجاه، اذ من الممكن ان تكون قطعة النحت سبباً في تغيير مصير إنسان، تماماً كما حدث معها حين توجهت الى النحت، بعد أن تأثرت بمنحوتة للفنان محمد يوسف.

ولفتت الى أنه لا مشكلة لديها في تقديم الجسد في المجال الفني، رغم التحريم أو رفضه في المجتمع، مشيرة إلى أنها لا تواجه مشكلات داخل القاعات، فالجمهور يتقبل النحت، في حين أن النُصب واخراج التماثيل الى الخارج ليس سهلاً، موضحة أن توجهها في الآونة الأخيرة الى التجريد في النحت لم يكن سبيلاً لإيجاد بديل عن تجسيد الشخوص، بل كان انطلاقاً الى لغة أخرى جميلة وواسعة، تتيح لها التعبير. واعتبرت النحاتة الإماراتية أن الأدوات التي يستخدمها الفنان باتت واسعة اكثر، إذ بات متاحاً له التعبير من خلال الكثير من المواد، خصوصاً مع الفنون الحديثة، لاسيما المفاهيمي.

ونوهت بأن الفن المفاهيمي يطبق بكثرة اليوم في العالم العربي، واصفة إياه بكونه ساحة مفتوحة تماماً، لا تضع أية قواعد للفنان، لكنه لغة قد تفهم بشكل خاطئ، لذا رأت انه لابد من تثقيف الجمهور، وكذلك بعض الفنانين، حول الفن المفاهيمي وسبله وأدواته. ولفتت الى وجود حاجة الى صناعة التاريخ، إذ إن هناك خطورة فقدان الجمهور، لاسيما أن هناك حاجة كبيرة الى تمتين الجذور المتعلقة بجمهور الفن في الشرق الأوسط. واعتبرت جمعة أن الشباب الصغار يحتاجون الى التعرف الى الفن المفاهيمي من أصوله، ويكون ذلك من خلال تدريس تاريخ الفن للأجيال الصغيرة، والتي تعتبر واحدة من مهمات الحكومات.

وشددت على أن المؤسسة الفنية تعمل وحدها اليوم، ولم نصل بعد الى مرحلة تعليم الفنون التي هي الأهم. وبالعودة الى أعمالها النحتية، أوضحت جمعة أن الأعمال التي تقدمها بأحجام صغيرة، تصلح لأن تنفذ بأحجام كبيرة، فهي غالباً ما تتعمد ايجاد الفراغات ضمن المنحوتة، حتى تكون ممراً حين تكون ضخمة، وكذلك تحاول ان توجد فيها موازنة في الشكل تتناسب مع الوزن الثقيل عندما يتم تكبير حجمها. ويحتل الأب والابن مساحة مهمة في أعمال جمعة، فهي تحرص على إبراز العلاقة بين الوالد والابن من خلال الأعمال النحتية. ورأت أنها تسعى الى ابراز المتضادات في العمل الفني، فهي فرصة لفهم الجانب الآخر، وربما لأنها تشربت العلاقة بين الأم والطفل، كونها أم، توجهت لإبراز الجانب الذي لم يقدم من قبل الكثيرين، إذ لفتتها علاقة زوجها بأولاده، فعبرت عنها من خلال الفن.

وشددت على أنها تحاول إبراز الجانب الرقيق من الرجل، موضحة ان الفنان لابد من تعرفه الى الجانبين بداخله الذكوري والأنثوي، كي يتمكن من الإبداع. وأكدت أن صعوبة النحت في الإمارات تكمن في غياب المصانع المتخصصة في صب النحت، موضحة أنها تسافر الى الخارج لصب المنحوتات الخاصة بها، لأن المصانع المتوافرة في الدولة غير متخصصة بالفنون، وهي تتيح للفنان العمل ضمن جدول مزدحم، في المقابل، فإن صب المنحوتة في مصنع متخصص بالفنون يؤدي الى نمو العمل، حيث نتشارك الآراء والتعديلات في أثناء إنجاز العمل، إذ إن العاملين في المصنع متخصصون في صب القطع الفنية. إلى جانب صعوبات صب النحت في الإمارات، شددت جمعة على حاجة الفن الى دعم الدولة، مبينة أن الغرب لا يعول على دعم الحكومة للفن، إذ يتم التعويل على المؤسسات الثقافية أكثر، ولكن في مجتمعنا نعوّل على الحكومة ودعمها، لأن الدولة مازالت حديثة، وعمرنا في الفن صغير، ويصعب على المؤسسات الثقافية أن تفي كل الأماكن حقها.

وأشارت الى أن الحركة الفنية التي يحاولون إيجادها في الدولة جميلة، وانهم في الإمارات اعتادوا السير من الأعلى للأسفل، ولكن في الواقع هذا لا يمكن تطبيقه في الميدان الثقافي والفني تحديداً، فالقاعدة يجب أن تكون الأساس.

واعتبرت انه من الصعب على أي جهة الوقوف في المراتب العليا لفترة طويلة ما لم تبنِ القاعدة جيداً، فقد جلبنا الفن من الخارج، ولكن لا يمكننا أن نجلب الجمهور من الخارج ايضاً، مشيرة الى غياب الاستراتيجية الواضحة، إذ توجد نشاطات ومشروعات صغيرة، لكنها لا تستطيع أن تقوم بكل ما يلزم، فالفعاليات جميلة ولكن البذور الخاصة بها غير واضحة الاستراتيجية.

أما الرسم، الذي يأخذ حصة من أعمال جمعة لاسيما التجريد، فهو بالنسبة اليها فرصة للتأمل، اذ تعتبره فرصة للتفريغ، بينما في النحت يكون عملها بحاجة إلى جهد عضلي وبنية. ولفتت الى أن إنتاج اللوحة سهل، بينما النحت يشكل تحدياً للفنان، وأن صعوبة أن تكون المرأة نحاتة يتمثل في القوة البدنية، فكل النساء قويات، إلا أن هناك تحدياً في القوة الذاتية وإيمان المرأة بأنها قادرة على القيام بالنحت.

طباعة