أمسـية وُصفـت بـ « ليلة للشـعر الحقيقي »وطغت عليها القصائد الوطنية

«أمير الشعراء»في ميدان التحرير

الشاعر المصري هشام الجخ. من المصدر

لم يكن ميدان التحرير الذي يقع في قلب العاصمة المصرية القاهرة، بعيداً عن ابوظبي، بعد ان حملته، أول من أمس، أجنحة القصيد إلى أجواء مسابقة «أمير الشعراء» عبر قصيدة الشاعر المصري هشام الجخ «مشهد رأسي من ميدان التحرير»، التي عبر فيها عما احدثته ثورة 25 يناير في مصر من تغيير عميق لتصبح نقطة فارقة بين مصر قبل هذا التاريخ ومصر بعده. وهو ما عبر عنه في افتتاحية القصيدة بقوله

«خبئ قصائدك القديمة كلها وكتب لمصر اليوم شعراً مثلها، لا صمت بعد اليوم يفرض خوفه، فاكتب سلاماً نيل مر وأهلها»، ليقدم بعد ذلك صورة لما يجري في قلب الميدان من آمال وطموحات وهتافات، منتزعاً بذلك دموع وهتافات جمهور مسرح شاطئ الراحة من مختلف الجنسيات.

سخونة الأحداث في الشارع المصري، لم تحضر فقط في قصيدة الجخ، بل كانت مصدر إشعاع وتوهج معظم قصائد الشعراء المشاركين في حلقة مساء أول من أمس، من البرنامج، وبعد ان استمدت هذه القصائد الكثير من الزخم من أحداث الشارع، زخم بدا واضحاً في مفردات ترددت في القصائد الرئيسة وامتدت إلى أبيات التخميس مثل: الثورة والوطن والنضال والحرية وغيرها، هذا التوهج علق عليه عضو لجنة تحكيم المـسابـقة د. صلاح فضل بقوله «كل شعراء الليلة يحلقون في سماء الشعرية العربية بقوة واقتدار، وهي ليلة من ليالي الشعر الحقيقي التي تزدان بها أبوظبي، وأنا أهنئهم جميعاً، ولا أكاد أميز بينهم، فهم يتمتعون بالقوة نفسها، والعرامة والطلاقة ذاتهما، كما أهنئ أمير الشعراء بهذه الطاقات العظيمة».

في نهاية الحلقة التي تنافس فيها كل من محمد علي الخضور من سورية، ومحمد العزام من الأردن، وعلا برقاوي من فلسطين، وهشام الجخ من مصر، وقاسم الشمري من العراق، تأهل الشاعر محمد العزام إلى المرحلة الأخيرة من المسابقة، لكن بعد ان شهدت الحلقة موقفاً محرجاً، عندما تلقى مقدم البرنامج الفنان باسم ياخور النتائج لتشير إلى تأهل الشاعر السوري محمد الخضور، وبالفعل أعلن ياخور النتيجة وهنأ الشاعر الفائز، وانصرف الخضور من خشبة المسرح، ليفاجأ الجميع بياخور يدعو الشاعر ليعود من جديد إلى المسرح، مشيرا إلى أن هناك خطأ وقع في النتائج، وأن المتأهل هو الشاعر محمد العزام، مقدماً اعتذاره للخضور، وظل ياخور يكرر اعتذاره حتى نهاية الحلقة بعد ان بدا على ملامحه الانزعاج الشديد. بينما تأهل الشاعر محمد تركي حجازي من الأردن، من شعراء الحلقة الماضية بعد حصوله على أعلى نسبة من تصويت الجمهور.

من جانبه أوضح عضو لجنة تحكيم المسابقة د. عبدالملك مرتاض، شرط المشاركة في الحلقة المقبلة من البرنامج، مشيراً إلى أن على الشعراء الذين تأهلوا في السابق، والشاعر الآخر الذي سيتأهل بعد تصويت الجمهور له خلال الأسبوع المقبل؛ كتابة قصيدة عموديةأ يراوح عدد أبياتها بين ثمانية و،10 على أن يكون موضوعها العقل وجمال العاطفة، وثمة شرط آخر سيذكر في الحلقة التاسعة من البرنامج.

حدث متنامٍ

بينما تميزت فقرة المجاراة بين الشعر النبطي والشعر الفصيح، التي جمعت بين الشاعر السوري حسن بعيتي «أمير شعراء» الموسم الثالث، والشاعر الإماراتي محمد النوه المنهالي، أحد نجوم شاعر المليون في موسمه الثاني، بروح المجاملة والمحبة التي تجمع بين الشاعرين، اذ تمحورت قصائدها حول إبراز محاسن كل من دولتي الإمارات وسورية. كما أهدى الشاعر المنهالي بضعة أبيات إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، داعياً له بموفور الصحة عقب إصابة سموه بكسر في ساعده.

حضور الشاعر هشام الجخ، الذي تغيب عن الحلقة الماضية بسبب ما تعيشه مصر من أحداث استثنائية، وقصيدته «مشهد رأسي من ميدان التحرير»، كانا الأكثر تفاعلاً وترحيباً من قبل جمهور المسرح الذي لم يتمالك كثير منه، خصوصاً العنصر النسائي، دموعه مع تهدج صوت الجخ خلال إلقاء قصيدته، التي ختمها قائلاً:

صمتت فلول الخائفين بجبنهم

وجموع من عشقوك قالت قولها

وفي تعليقه عليها، أشار فضل إلى ما افرزته وتفرزه ثورة ميدان التحرير من أساليب مبتكرة لتعبر عن رأي ثوارها، قائلاً «لعلك أدركت معي، وأنت ترسم ميدان التحرير من قطاع رأسي، أن الهتافات التي ترددت فيه كانت تبتكر أوزاناً شعرية، وتبتكر صوراً وعبارات عجيبة، ظهر فيها أنك ممثل جيد لذلك الشعب الثائر».

د. علي بن تميم اتفق مع فضل في أن ما يحدث يحتاج إلى الكثير من القصائد، موضحاً أن «الحدث كبير ويتنامى بسرعة فجائية، وهو أكبر من ذات الشاعر، وبالتالي لا يمكن السيطرة على ذلك المشهد الكبير، ومن هنا فإن الشاعر بحاجة إلى صبر كثير، لأن الحدث هائل جداً، ولا تمكن كتابته مرحلياً».

«شهقة النون»

«شهقة النون» كان عنوان قصيدة الشاعرة علا برقاوي، التي قال بن تميم إن «النون هي نون النسوة، لكن لا توجد في النص شهقة أو صيحة، إنما همسة تتوالى عن طريقها أفعالٌ بضمير المتكلم تحاول أن تبوح عن تلك الذات المترددة، الذات الأنثوية، لكن القصيدة بشكلها العام ينتابها الغموض، إذ إن الاعتراف صعب في زمن تنفضح وتنكشف فيه الأسرار دفعة واحدة، ثم أجد أن هناك بعض القوافي القلقة».

بينما حرص الشاعر قاسم الشمري على ان يلقي بيتين من شعر الراحل محمد مهدي الجواهري في حب مصر، فقال:

يا مصر تستبق الدهور وتعثر

والنيل يزخر والمسلة تزهر

يا مصر مصرَ الطيبين تحية

من جرحي الدامي أعف وأطهر.

ليقدم بعدها قصيدته التي حمل فيها ألم الأمة العربية وأملها، تحت عنوان «انحناءة إلى الأعلى»، وجد فيه د. بن تميم ثنائية الحياة والموت، وأن قاسماً يتشظى بينهما. وقال فضل «أشهد أنك شاعر كبير، لكنك تلعب لعبة حداثية، حيث الإبهام في القصيدة، والإحالة في التعبير، وبالنسبة للقصد فلا نعرف عن أي وطن تتحدث، هل عن وطنك العراق، أم عن غيره، على أية حال هو وطن عربي، أما الإبهام في التعبير فيبدأ من عنوان القصيدة «انحناءة إلى الأعلى» وهي حيل حداثية طريفة، تضج بشعرية حلوة».

نيرون وريح عاتية

الشاعر محمد العزام قدم قصيدة بعنوان «للريح عاتية». واعتبر بن تميم أن أجمل ما في القصيدة هو التجدد، حيث يكون الشاعر كطائر الفينيق الذي يولد من رماده ومن موته، ليتجدد وليحلق، وأشار مرتاض إلى إلقاء الشاعر الآسر، وما لديه من نسج شعري «ينثال كما ينثال القطر على قصيبات الأرض فيمرع زهراً ضواعاً».

ووصف د. فضل قصيدة الشاعر محمد علي الخضور «نيرون شاعراً» بـ«القطعة الأدبية» وقال عنها بن تميم «القصيدة تستعمل قناع نيرون آخر أباطرة الرومان، ولذلك يصبح حاضراً بقوة ضمير الأنا السائدة، وفي المشهد الأول من القصيدة يظهر نيرون ليتحدث عن نفسه منكسراً محطماً، وفي المشهد الثاني تظهر صورة التمني، وهو مشهد يقوم على المفارقة، مفارقة القوة الغاشمة، ومفارقة الشاعر الضعيف المنكسر، لكنك بصورة وبأخرى لم تكن تصف نيرون، بل كنتَ وبصورة منفلتة تتعاطف معه من دون أن تدري، كما شعرتُ بأنك جملت صورة الطاغية، وشوهت صورة الشاعر، أيها الشاعر الجميل.. فعلاً كنت تحلق بجناحين كبيرين، وقد أبدعت، وأريد أن أذكر بأن صورة إحراق نيرون روما مستحدثة كثيراً في الشعر، وعليك أيها الشاعر أن تبحث عن رموز جديدة، وعلى مثل تلك الرؤى المدهشة في عالم يحفر بالإبر الشعرية». وأشاد د. مرتاض بذكاء الشاعر.

طباعة