مشـاهـدات من «الميدان»

«الإنترنت» كانت السباقة فـــي نقل الصورة منذ انطلاق الاحتجاجات الشعبية. إي.بي.أيه

كثيرة هي المشاهدات التي أفرزتها الاحتجاجات التي يشهدها الشارع المصري حاليا، والتي سميت في وسائل اعلامية «ثورة اللوتس»، أو «ثورة 25 يناير»، أو «ثورة الشباب»، أو «انتفاضة الشعب المصري». وللإعلام الفضائي نصيب كبير منها، ولكنها في الاغلب ليست في مصلحته، فمنذ البداية تراجعت القنوات الفضائية الاخبارية خطوات في تغطية الاحداث، مع اندلاعها يوم الثلاثاء 25 يناير الماضي، تاركة المجال مفتوحا للمدونات والمواقع الإخبارية على الانترنت، والصفحات التي تم افتتاحها على المواقع الاجتماعية، وفي مقدمتها الـ«فيس بوك» و«تويتر»، لمتابعة ما يجري على الأرض لحظة بلحظة بإشراف مدونين ونشطاء، لتجتذب اهتمام الجميع.

وعلى مدى أكثر من 24 ساعة من التردد، وهي فترة طويلة في مجال العمل الإخباري، ومقارنة مع سرعة تلاحق الأحداث، ظلت القنوات العربية تتخبط في حساباتها، قبل ان تضطر مع سخونة الأحداث إلى ان تحسم أمرها وتنزل إلى الشارع، ولكن في المقابل كان معظم الجمهور، خصوصا من الشباب، قد وضع لنفسه «خارطة طريق إلكترونية»، تضم المواقع التي يثق بها، وتلك التي تحتاج إلى تدقيق. هذا التفاوت في التوقيت بين المواقع الإلكترونية والمدونات من جهة، والقنوات الفضائية من جهة أخرى، قد يرسم ملامح الفترة المقبلة، التي ربما تشهد المزيد من الانتصارات للإعلام الالكتروني عبر الانترنت، والتي باتت تتمتلك مبادرات رائدة وسباقة أثبتت أنها منافس قوي، مثل الوثائق السرية التي يتم الكشف عنها عبر مواقع متعددة، لعل آخرها وأشهرها «ويكليكس».

وعلى مستوى العالم العربي، كانت المدونات الشبابية لها السبق، في كشف كثير من الممارسات التي تعرض لها ناشطون ومواطنون عاديون في بلدانهم، وكان لهذه المدونات الفضل في فتح كثير من القضايا الفعلية في أروقة المحاكم، وكشف المتسببين فيها.

ويبدو أن «ثورة اللوتس» كتب لها ان تكون أول ثورة «إلكترونية» عربية، سواء في نشأتها عبر صفحات الـ«فيس بوك»، مرورا بيومياتها الساخنة التي لا يعرف أحد حتى الآن في أي اتجاه تسير.

الصورة وحدها كانت لها الكلمة العليا في متابعة الاحتجاجات في مصر، وهي أيضا كانت الاختبار الذي فشل في اجتيازه معظم القنوات التلفزيونية العربية، أو حتى الأجنبية الناطقة بالعربية، وفي الوقت نفسه رجحت كفة المدونات والمدونين، ففي لحظات كثيرة كانت الصورة عاملا فارقا في توثيق الأحداث ونقلها. ورغم ذلك غابت عن الشاشات، أحيانا نتيجة لظروف خارجة عن إرادة هذه القنوات نتيجة لإجراءات الأمنية، أو لعدم قدرة الكاميرات التلفزيونية على متابعة الأحداث الكثيرة المتشعبة. وفي المقابل كانت كاميرات الجمهور في الشارع أداة توثيق لا تغفل كبيرة أو صغيرة تجري على الساحة، وسرعان ما تنتشر الصور التي التقطتها كاميرات هؤلاء على صفحات المواقع المختلفة، لتعود قنوات التلفزيون لتنقلها عن هذه المواقع، ولعل أهم هذه اللقطات تلك التي ظهرت فيها سيارة تردد أنها تحمل لوحة دبلوماسية تمر بسرعة كبيرة وسط متظاهرين وتدهس عددا منهم، وأيضا الشريط المصور الذي يظهر سيارة للشرطة تصدم عددا من المتظاهرين في ميدان التحرير، وأول من أمس، بثت قنوات تلفزيونية شريطا مصورا يظهر عملية اطلاق نار من بندقية شرطي على شاب مصري.

وسط الأحداث الساخنة، كانت هناك مسرحية هزلية تبعث على البكاء تعرضها قنوات مصرية، سقطت سقوطا مدويا في تناولها ما يجري على بعد خطوات من مبنى التلفزيون. وتناسى العاملون في المبنى العتيق ان العالم بات يعيش في عصر الفضاءات المفتوحة، وأن الحقيقة لم تعد حكرا على أحد أو جهة معينة. كما أن المشاهد لم يعد مجبرا على الاعتماد على وجهة نظر واحدة، فالخيارات متاحة والبدائل متعددة، وتجاهل ذكاء الجمهور ووعيه لا يمثل بالتأكيد خيارا صائبا، خصوصا في مثل هذه الظروف الاستثنائية في حياة الشعوب والدول. تطرف قنوات مصرية في تجاهل الواقع، ومحاولاتها فرض «صورة هادئة» لما يجري على الأرض، جعل التغير الكبير الذي شهدته هذه القنوات في متابعتها للاحداث منذ أول من أمس، واتجاهها للحاق بما يحدث غير منطقي وغير مقبول، بعدما فقدت الكثير من ثقة المشاهد في الداخل والخارج.

طباعة