عازف تركي يخطف أضواء ليلته الثالثة في قرية التراث

ملتقى الفجيرة للربابة يعزف مقطوعته الأخيرة

«ملتقى الفجيرة» سعى إلى استعادة ألق «الربابة» في المشهد الموسيقي العربي. من المصدر

96 ساعة من الإبحار ضد صخب آلات موسيقية متعددة، في حضرة الآلة التقليدية ذات الوتر الأوحد، الربابة، قضاها جمهور تفاوتت ميوله الموسيقية ومشاربه الثقافية، لكنها توحدت في الاستمتاع بألوان مختلفة لإبداعات عازفي آلة الربابة في ملتقى الفجيرة الثاني للربابة، الذي أسدل الستار على فعالياته أول من أمس، في حفل الختام الذي شهد تكريم عدد من أشهر المبدعين في مجال العزف على الربابة في الوطن العربي، فضلاً عن استيعابه مشاركات دولية كان أكثرها ألقاً مشاركة الفنان التركي سليل رفيق كايا.

كايا الذي يدير مع والده معهداً خاصاً لتعليم العزف على الربابة في تركيا، كانت له طقوس خاصة على المسرح، ورغم اختلاف شكل الربابة التي اصطحبها عما هو مألوف في المنطقة العربية، إلا أن المذاهب اللحنية والمنتج الإبداعي بدا متآلفاً مع الألوان الشائعة عربياً، ما جعل الحضور يتفاعلون مع مقطوعته التي عزفها على مسرح قرية التراث في منطقة دبا الفجيرة، في الليلة الثالثة، إذ فضلت اللجنة المنظمة للملتقى أن تستضيف فقط فعاليات تلك الليلة قبل أن تعود استضافة الحدث إلى سفح قلعة الفجيرة. وعبر فعاليات شهدت معزوفات ومشاركات أكاديمية لمبدعين ومهتمين بفن العزف على الربابة، استضافت الفجيرة وفوداً من 28 دولة، سعى عبرها المشاركون إلى إحياء وجود الربابة التي تقلص حضورها إلى حد كبير، باستثناء الحضور الرمزي لها في فعاليات ثقافية وبعض المسلسلات البدوية والتاريخية، فضلاً عن المناطق الجبلية والريفية.

وحمل الملتقى معزوفات لفنانين معروفين خصوصا في مناطقهم، مثل الفنان القطري ناصر البريدي الذي استهل فعاليات اليوم الثاني للملتقى عاكساً جوانب من خصوصية اللون الخليجي، فيما قدم الفنان السوري إبراهين الأخرس مقطوعات من اللون الفراتي، في أمسية ضمت ايضاً الأردني بيان فارس الذي قدم نماذج من اللون الدرزي، فيما قدم الفنان المصري المخضرم الذي رشح وجوده في الملتقى الشاعر عبدالرحمن الأبنودي، عازف الربابة سيد الضوي بمرافقة المطرب الشعبي رمضان عز الدين نماذج من مقطوعات رافقت التغني بأبيات من السيرة الهلالية، أما الفنان حسن المنصوري فكان بمثابة سفير للون الإماراتي في الملتقى الذي أتاح الفرصة من جديد لتواصل المبدعين والمهتمين بفن العزف على الربابة. ومثل توجيه فعاليات اليوم الثالث إلى قرية التراث بدبا الفجيرة مناسبة مهمة لتجربة مختلفة سواء بالنسبة للمبدعين أو الجمهور، للتفاعل مع المعزوفات في أجواء مختلفة، إذ فضل الكثير من الحضور الجلسات الأرضية والاستمتاع بتقليدية الاستضافة العربية أثناء الاستماع إلى معزوفات المشاركين، في الوقت الذي كان في استقبال الوفود أعداد كبيرة من الفنانين وأعضاء مجلس إدارة مسرح دبا الفجيرة الملاصق لقرية التراث.

وافتتح الفنان السعودي فعاليات اليوم الثالث، تلاه الفنان العراقي تركي العون الذي صادفه سوء حظ أثر في جودة المعزوفة بسبب خلل أصاب الربابة، قبل أن ينتقل الحضور إلى التفاعل مع اللون الفراتي عبر الفنان العراقي أحمد عزيز، ثم اللون الحوراني الذي قدمه الفنان السوري أحمد الحاج علي، ليكون الفنان التركي سليل كايا بمثابة تجربة فريدة للعزف على آلة عربية تقليدية بمخيلة غربية.

وجاء حفل ختام الفعاليات محتفياً بفن الربابة فعلياً عبر استعراض أربع تجارب مختلفة في مذاهب وألوان العزف على الربابة ضمت عازفين من سلطنة عمان وتونس واليمن والكويت، هم على التوالي: الفنانون جمال العامري ود. أنيس القليبي وحسين محمد ومهلي الحشاش، في الوقت الذي مثلت الندوات الخمس التي صاحبت فعاليات الملتقى محاولة أكاديمية جادة للإبقاء على فن العزف على الربابة صامداً أمام طغيان وسيطرة آلاات الموسيقية المختلفة على المشهد الموسيقي العربي.

وتطرق د. أنيس القليبي إلى تطور الربابة في مساقها التاريخي إلى الكمان، رغم الاحتفاظ بالشكل التقليدي للربابة باعتبارها الآلة الموسيقية الوحيدة ذات العود الأوحد، واستعرض الباحث الأردني سامي الباسلي مشاهد التنوع الإيقاعي للربابة في المشرق العربي، فيما تطرق الإعلامي المصري حسام عبدالهادي إلى أحد اشهر نماذج الشعر الشعبي ارتباطاً بالربابة وهو السيرة الهلالية وغيرها في ظل مناقشته ورقة عمل بعنوان «السيرة الشعبية بين الواقع والخيال»، وتناول الباحث السوري أحمد الجدوع في ورقته واقع الربابة في وادي الفرات كموروث يتناقله الأجيالي، وتحدثت الباحثة الجزائرية فطيمة زغرات عن ارتباط الربابة بالموروث الشعبي في بلدها، على نحو فرض حضوراً لاستقراء فن العزف على الربابة من زوايا بحثية شديدة التنوع.

زمن الربابة لم ينتهِ

قال مدير الديوان الأميري بالفجيرة ونائب رئيس هيئة الثقافة والإعلام بالفجيرة محمد سعيد الضنحاني، إن «ملتقى الربابة» بوضعه الحالي ليس مجرد رهان على المختلف، ومحاولة لإحياء أحد الفنون شديدة الارتباط بالهوية العربية، بقدر ما يأتي بمثابة فرصة حقيقية ودعوة لإعادة التفاعل الجماهيري مع جماليات هذا الفن الذي يعاني مبدعوه حالة مؤسفة من حالات غياب الاهتمام الإعلامي والاحتضان المؤسسي لإبداعاتهم.

ورفض الضنحاني الدعاوى النقدية التي تؤشر إلى أن «زمن الربابة قد انتهى». مضيفاً: «من يكلف نفسه عناء التواصل مع الكثيرين، من القابضين على تراثهم الموسيقي والغنائي في الكثير من المجتمعات الجبلية والريفية وأيضاً الشعبية، سيتأكد أن الربابة قد مرضت إعلامياً ولم تمرض في ما يتعلق بحضورها وتواصلها مع متذوقيها، خصوصاً الحس الشعبي والجمعي».

مدير عام بلدية الفجيرة وصاحب مقترح إقامة ملتقى خاص بفن الربابة محمد سيف الأفخم، من جانبه أشار إلى أن الاهتام بإحياء فن تقليدي موروث، متمثل في العزف على الربابة لا يمكن أن يفسر على أنه حنين مجرد إلى الماضي، يتجاهل تطور الآلات الموسيقية».

وأضاف: «سنفقد الكثير من ملامح هويتنا الثقافية والاجتماعية إذا استغرقتنا تماماً مظاهر المدنية والثقافة المعاصرة»، مضيفاً: «سنبقى مطالبين دائماً بالمواءمة بين الأصالة والمعاصرة، تماماً كما نستعذب التصاميم المحيلة إلى التراث والفنون العربية والإسلامية في أبنيتنا، لذلك فإن الاهتمام بالربابة لا يلغي الانفتاح على سائر الفنون الموسيقية الحديثة».

 

طباعة