بعد أن فتحت شهية الخليجيين والمغاربة على المشاركة

«البوكر العربية» تعيد رسم المشهد الثقافي

جائزة «البوكر» ألغت النظرية التقليدية عن المركز والأطراف في الأدب العربي. تصوير: إريك أرازاس

عبر مشوارها القصير الذي لا يتجاوز السنوات الأربع؛ وعلى الرغم مما أحاط بها من جدل تصاعد إلى أشده في دورتها الماضية ،2010 استطاعت الجائزة العالمية للرواية العربية أو «البوكر العربية»، التي تمولها وترعاها مؤسسة الإمارات بأبوظبي، أن تخلق حراكاً واسعاً على الساحة الثقافية، هذا الحراك تضاعف تأثيره عقب إعلان نتائج الدورة الماضية من الجائزة التي فاز فيها الكاتب السعودي عبده خال عن روايته «ترمي بشرر»، إذ تجاوز هذا الحدث كونه حالة فردية ترتبط بصاحب الجائزة، أو حتى بالبلد الذي ينتمي إليه، ليتحول فوز خال إلى نقطة تحول كبرى، في نظر الكثيرين، في أصول وقواعد اللعبة الثقافية، وبداية لتغيير مقبل في المشهد الثقافي في العالم العربي، وإعادة تسمية المركز والأطراف، لتنتقل دول عربية كدول الخليج لتصدر المشهد الثقافي العربي، بعد ان قنعت لسنوات بدور الأطراف، تاركة الأضواء لما تعارف عليه بدول المركز التي تمثلت في عواصم عربية كرست حضورها الثقافي على مدى سنوات طويلة مثل القاهرة وبيروت. هذا التغير كان عبده خال هو أول من تطرق إليه عقب فوزه بالجائزة قائلاً «لسنوات طويلة ونحن نشكو، كتاباً خليجيين، في جلساتنا الخاصة، نظرة المركز لنا كأطراف، ومن التعامل معنا كخزانات نفط، وهذه الجائزة فرصة مهمة لأن ينظر المركز إلى ما لدينا من إبداع». كما عاد وأكد الكاتب والناقد السعودي د. سعيد السريحي، اذ اعتبر فوز عبده خال بجائزة الرواية العربية العام الماضي «برهاناً على ان الخليج العربي قادر على المشاركة في صياغة الخطاب الإبداعي العربي الحديث، وتجاوز مرحلة التبعية والتلمذة على يد عواصم ومراكز عربية عريقة سبقته بعقود طويلة في هذا المضمار، وكونت الواجهة الثقافية العربية التي تتقدم المحافل العالمية باعتبارها ممثلة للأدب العربي الحديث». معرباً خلال محاضرة ألقاها أخيراً في المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، ممثل صاحب السمو رئيس الدولة، في ابوظبي، عن اعتقاده ان «عبده خال سواء بـ(البوكر) أو من دونها، أكثر اتصالاً بلحمة الواقع الاجتماعي ومفهوم الهوية، بالإضافة إلى انه لا يحمل بداخله ايديولوجية محددة، بقدر ما لديه من قدرة على استنباط واقع اجتماعي».

حضور سعودي ومغاربي

تأثير فوز خال بـ«البوكر»، لم يقتصر على التصريحات والآراء النظرية فقط، اذ ترجم بوضوح في القائمة الطويلة للجائزة لدورة ،2011 التي تضمنت روايتين سعوديتين، الأولى هي رواية «فتنة جدة»، للكاتب مقبول موسي العلوي عن دار الكوكب للنشر «رياض نجيب الريس»، والثانية رواية «طوق الحمامة» للكاتبة رجاء العالم، عن المركز الثقافي العربي، بالإضافة إلى رواية يمنية للكاتب علي المقري هي «اليهودي الحالي»، وبذلك تصبح المملكة هي الدولة الخليجية الأكثر حضوراً من حيث عدد الروايات التي تم ترشيحها للجائزة في دوراتها المختلفة، فالعام الماضي وحده شهد وصول ثلاث روايات سعودية للقائمة الطويلة للجائزة هي رواية «شارع العطايف» لعبدالله بن بخيت، ورواية «الوارفة» لأميمة الخميس، بالإضافة إلى «ترمي بشرر» لعبده خال، يليها اليمن الذي كان حاضراً في ترشيحات الدورة الثانية برواية للكاتب علي المقري هي «طعم أسود.. رائحة سوداء»، ولم يتوقف تأثير «البوكر» ونتائجها على الخليج فقط، اذ شكلت عامل جذب للمغرب العربي بدوله المختلفة للالتفات نحو الشرق، وهو ما انعكس في ارتفاع نسبة المشاركات التي تلقتها الجائزة من دول المغرب العربي.

موضوعات الروايات المرشحة في القائمة الطويلة لجائزة «البوكر» ثم القصيرة هذا العام، اعتبرها البعض تحمل قدراً من الاختلاف كان لـ«ترمي بشرر» دور فيه، حيث ظهرت في لائحة الجائزة روايات تسعى إلى تشريح المجتمع العربي والخليجي مثل «طوق الحمامة»، ولا تخشى إظهار عيوبه وآفاته، ووضع اليد على جروحه التي ظلت بعيدة عن التناول بشكل موسع، خصوصاً ان بعض هذه الأعمال ممنوع من التوزيع داخل دولة الكاتب.

هذه الجرأة في موضوعات الروايات المرشحة للبوكر، التي تنوعت بين قضايا التطرف الديني، والنزاعات السياسية والاجتماعية، وسعي المرأة العربية إلى تحرير نفسها من العقبات التي تقف في وجه تطورها الشخصي وتمتعها بالسلطة والتأثير في المجتمع، لم تسلم من الهجوم، اذ وجد البعض فيها مغازلة للغرب، من خلال انتقاء القضايا التي تحظى بانتباه العالم الغربي واهتمامه.

تحديات

الإعلان عن اللائحة القصيرة لجائزة «البوكر»، حمل أولى مفاجآت الجائزة، وهي المفاجأة التي قد تسهم في إعادة تشكيل الساحة أيضا من بُعد آخر، بخلاف البُعد الجغرافي، عندما أطاح بروايات كانت محط توقعات الكثيرين، واعتبروها الأكثر حظاً في المنافسة دون غيرها نظراً لما يتمتع به أصحابها من ثقل على الساحة الثقافية، وتجربة روائية ممتدة لسنوات طويلة، مثل رواية «البيت الأندلسي» للكاتب الجزائري واسيني الأعرج، و«اسطاسية» للكاتب المصري خيري شلبي، و«جنود الله» للكاتب السوري فواز حداد الذي رشح من قبل في القائمة القصيرة للجائزة .2009 لتحمل الروايات الباقية في اللائحة القصيرة توازناً بين أصوات ذات صبغة شابة مثل الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي وروايتها «بروكلين هايتس»، ومواطنها خالد البري صاحب «رقصة شرقية»، والكاتبة السعودية رجاء العالم وروايتها «طوق الحمامة»، في مقابل أصوات أكثر خبرة تتمثل في الكاتبين المغربيين محمد الأشعري صاحب «القوس والفراشة»، وبنسالم حميش صاحب «معذبتي»، بالإضافة إلى الكاتب السوداني أمير تاج السر الذي يشارك في اللائحة بروايته «صائد اليرقات». خروج الأسماء الكبيرة كان محل تعليق من بعض الكتاب مثل ميرال الطحاوي التي عبرت عن سعادتها بالوصول للقائمة القصيرة، وفي الوقت نفسه حزنها لخروج مواطنها خيري شلبي قائلة «ما أحزنني على الرغم من سعادتي بوصولي إلى القائمة القصيرة، هو خروج الأسماء الكبيرة من الجائزة، وبرأيي فإن قيمة خيري شلبي أكبر من أي جائزة، فهو أب للرواية بعد نجيب محفوظ»، معتبرة وصول الروائية السعودية رجاء العالم إلى القائمة القصيرة انتصار حقيقي أسعدها كثيراً، مشيرةً إلى أنها أول من تناول إنتاجها الأدبي من خلال رسالة الدكتوراه الخاصة بها.

هواة التوقعات والمتشككون أيضاً، ذهبوا إلى ان الجائزة هذا العام قد تجد نفسها في مأزق تكرار الدول الفائزة بها، ما قد يؤثر في حظوظ الروايات المصرية والسعودية المشاركة، اذ سبق أن فازت مصر بالدورتين الأولى والثانية، وفازت السعودية بالدورة الثالثة، ما يعني بالتالي زيادة حظوظ الكاتبين المغاربيين الأشعري وحميش والكاتب السوداني أمير تاج السر، ليظل السؤال الذي يفرض نفسه: هل ستقبل «البوكر» تحدي التصنيفات الجغرافية، أم تسعى لتأكيد مكانتها وتبرهن على ما تحدث عنه القائمون عليها مراراً حول ما تتمتع به الجائزة من شفافية ومعايير صارمة فتتحرر من قيود الجغرافيا والتاريخ والعمر والخبرة، وتنتصر للمعاير الأدبية والنقدية فقط، على خلاف معظم الجوائز الأدبية العربية التي فقدت ثقة المثقفين وجمهورهم على السواء؟

طباعة