«برلين السينمائي» يتذوّق «العسل» التركي

كل متابع للمهرجانات السينمائية يكون حاملاً لرهان ما، ومنحازاً إلى سينما بعينها، ولتبقى لجنة التحكيم هي المقرر الرئيس، التي قد تأتي نتائجها إما مخيبة أو مبهجة لحامل الرهان، جزئياً أو كلياً، مع فتح الباب على مصراعيه أمام المفاجآت أيضاً.

نتائج الدورة الـ60 لـ«برلين السينمائي» الذي اختتم عروضه أول من أمس، جاءت متفقة تماماً مع ما شاهدته وراهنت عليه شخصياً، وعلى انحياز تام نحو الجديد، وفتح الباب على مصراعيه أمام أسماء جديدة، وأخرى حققت ما حققت سينمائياً، وعلى تناغم تام مع ما يجده المخرج الألماني فرنر هرتزوغ، رئيس لجنة التحكيم هذا العام، في مهرجان برلين بوصفه منصة لتقديم أسماء جديدة، ولعلها -أي النتائج- جاءت بعيدة عن رهانات أخرى كانت تجد في الفيلم الروسي «كيف أنهيت ذاك الصيف» المرشح الأكبر للدب الذهبي، كونه يتفق مع حساسية هرتزوغ نفسه، الذي لا ينفي عن الفيلم تميزه حقاً، والذي استحق أيضاً نيله جائزة أفضل تصوير، وجائزة أفضل تمثيل لكل من غريغوري دوبراجين وسيرجي باسكوباليس.

لم تقترب الجوائز مما يعتري الآراء النقدية من ميوعة حين يوصف فيلم بأنه يشبه الحياة، وليس هو بأكثر من ميلودراما مسطحة مثلما هو الحال مع الفيلم الدنماركي «عائلة» الذي نال جائزة النقاد الدوليين «فبراسكي» دون أن نعرف ما الذي يقدمه هذا الفيلم.

نعم الفيلم التركي Bal (عسل) هو ما يستحق الدب الذهبي، كما توج أول من أمس في «برليناله بلاتز». إنه سميح قبلان أوغلو وما يستحقه بجدارة على تقديمه سينما خالصة مسكونة بأجواء وعوالم تتجاور فيها الطفولة (الدور الرائع الذي قدمه الطفل بورا أتلاس) مع بانوراما مشهدية خاصة تقول كل شيء عبر اللقطات، في فيلم يأخذنا منذ لقطته الأولى الافتتاحية، إنه الطفل يوسف وعالمه في طبيعة آسرة، إنه الطفل الصامت، الذي لا يتكلم إلا مع والده الذي يمضي من مكان إلى آخر وهو يبحث عن العسل، لا بل إن يوسف لا يتكلم مع والده إلا همساً، بينما يتلعثم في دورس القراءة، ولا يحفظ إلا تلك القصيدة التي يسمع تلميذة ترددها فتسكنه، إنه يشاهد القمر منعكساً على الماء ويسعى إلى أن يلامسه، إلى أن يغيب والده الذي يقع من على شجرة عالية.

كل شيء في فيلم أوغلو محكم ومتناغم وآسر، ويزيد من التأكيد على الحضور الكبير الذي تحققه السينما التركية يوماً بعد يوم، وأسماء كثيرة تتوارد إلى الذهن، لن تبعدنا عن كون أوغلو نفسه قد استكمل من خلال «عسل» ثلاثيته، حيث سبق هذا الفيلم بـ«حليب» و«بيض»، ولتكتمل مع «عسل» ثلاثية الروح كما يحب أن يسميها.

مع وضع فيلم «عسل» إلى جانب أفلام المسابقة فإنه يخفف من استسلام أفلام كثيرة على المتفق عليه، أو الجاهز والمعد سلفاً حيث لا شيء إلا تقديم اتساق ما لأحداث حكاية عادية مثل الفيلم الألماني «السارق»، أو الاتكاء على «بروباغندا» سياسية مقنعة مثلما هو الحال مع فيلم الإيراني رفيع بيتس «الصياد»، وبعيداً أيضاً عن الموضوعات الساخنة إن صح الوصف والتي تجلت في الإسلام في أوروبا كما هو الحال مع فيلم برهان قرباني «شهادة»، ومعه الفيلم البوسني «على المعبر»، اللذان حملا قدرا كبيرا من الجماليات، التي سرعان ما تمسي فقيرة مقارنة بـ«عسل» وصولاً إلى الفيلم الروماني فلورن سربان «عندما أصفر.. أصفر مرتين»، في تجربته الإخراجية الأولى، التي استحق بجدارة عليها الجائزة الثانية «الدب الفضي»، ولعله لا يقل أهمية عن الفيلم التركي، وليكون هذا التتويج دفعة كبيرة للأمام لهذا المخرج الذي اتخذ من السجن مساحة لتقديم أحداث فيلمه باعتماده على السجناء أنفسهم، وبالتأكيد الشخصية الرئيسة التي جسدها جورج بسترانو الذي نعيش معه أيام سجنه الأخيرة بالاعتماد على زمن واقعي وباستحضار كل حياة خارج القضبان عبر أخيه وأمه، ومن ثم انفجاره وتخليه عن كل ما كان يحكم سيطرته عليه، وقد عشنا معه تفاصيل معاناته، وكل ما يطمح إليه ألا يسافر أخيه الصغير مع أمه حتى لا يلقى مصيراً مشابهاً لما عاشه معها، إضافة إلى تحقيقه حلم شرب فنجان قهوة مع امرأة يخطفها لهذا الغرض فقط. وفي استكمال للجوائز، فإن نيل رومان بولانسكي جائزة أفضل مخرج عن فيلمه «الكاتب الشبح» أمر متفق عليه ليس لمسيرته الطويلة الحافلة بالإنجازات، لكن لما قدمه في فيلمه الجديد هذا، مؤكداً قدرته المتجددة على حبك فيلم محكم وتقديم دراما سياسية مشوقة ليست ببعيدة عما يطال رئيس الوزراء البريطاني طوني بلير بوصفه «مجرم حرب»، كما أن جائزة أفضل ممثلة لليابانية شينبو تراجيما عن دورها في فيلم «فراشة» له أن يستوقفنا ويضع إلى جانبها أسماء أخرى، دون أن ينفي ذلك تميز الدور الذي قدمته في فيلم اعترته ملامح مسرحية في أكثر من جانب، ولعل أهم ما في فيلم «فراشة» دور تراجيما وخصوصية العلاقة التي تجمع امرأة بزوج عائد من الحرب وقد فقد ذراعيه وساقيه، حاملاً في الوقت نفسه اسم «إله الحرب».

طباعة