«السارق» «رجل لطيف بعض الشيء»

«رجل لطيف بعض الشيء» فيلم حافل بالحوارات الرشيقة. آوت ناو

كلاهما خرج من السجن، كل إلى مصيره، المَخرج كان من فيلمين عُرضا أول من أمس، ضمن أفلام «المسابقة الرسمية» للدورة 60 من مهرجان برلين السينمائي. الأول كان نمساوياً ـ ألمانياً حمل عنوان The Robber «السارق» للمخرج بنجامين هيسنبيرغ، وجاء على شيء من الركض المتواصل، طالما أن الفيلم يروي لنا قصة سارق لكنه عدّاء في الوقت نفسه، ونحن نقع عليه من اللقطة الافتتاحية وهو يركض في ساحة السجن من دون توقف، لا بل إنه حين عودته إلى زنزانته فإنه سيواصل الركض على جهاز رياضي.

خروجه من السجن لن يغير شيئاً في حياته، سيعود إلى السطو على البنوك والركض أيضاً، بل إنه لن يمهلنا فسرعان ما يسرق سيارة ويمضي بها لتنفيذ سطوه الأول وتتوالى عملية السطو وإلى جانبها ركضه وتدريباته المتواصلة، التي تجعله يفوز بماراثون فيينا ويسطع نجمه، مواصلاً في الوقت نفسه السرقة.

إنه يستثمر قدرته الهائلة على الركض في عمليات السرقة، فبعد أن يسطو على بنك يترك السيارة التي ينفذ بها العملية ويعود ركضاً إلى بيته.

التغيير الوحيد الذي يحدث في حياته يتمثل في علاقته مع امرأة سرعان ما يقع في غرامها، وتكون الفسحة الوحيدة التي يخرج فيها عن صمته المتواصل وعزلته واقتصار حياته على السرقة والركض، لكن هذه المرأة تكتشف أنه هو «الرجل المقنّع» الذي يقوم بسرقة البنوك، وابتداءً من هذه اللحظة تبدأ الأحداث في التصاعد، وتحديداً بعد إقدامه على قتل ضابط شرطة يكون مشرفاً عليه في الفترة التي تلت خروجه من السجن، فهو يقتله لا لشيء إلا لأنه لا يتوقف عن الكلام ونصحه ودعوته للخروج عن عزلته، يقتله بالكأس التي يفوز بها في سباق ماراثون جبلي، وحين تلقي الشرطة القبض عليه بوشاية من عشيقته، سرعان ما يهرب من مركز الشرطة إلى أن يلقى مصيراً مأساوياً في نهاية الفيلم.

يمكن لفيلم «السارق» أن يكون تعبيراً سينمائياً عن شخصية تمتلك قدرات خاصة لها أن تستثمر في غير مكانها، أو أن تكون في مكانها الصحيح وغير الصحيح في آن، خصوصاً أن كل المبالغ التي يسرقها العدّاء لا يمسها ولا يستخدمها، فهو يسرق لمجرد السرقة، وايضا تعبيرا عن شيء يتيح لشخصيته أن تكون مثالاً على الطاقة المهدورة التي تمضي إلى مصير أسود تحت إملاءات ضياعها.

«رجل لطيف»

الفيلم الثاني الذي ينطلق من السجن أيضاً يأتي من النرويج ويحمل عنوان «رجل لطيف بعض الشيء» من إخراج هانس يستر مولاند، الذي يدفعنا للقول إنه فيلم لطيف جداً، ومبني وفق ما يؤسس لخصوصية كل شخصية فيه وخصوصاً الشخصية الرئيسة أولريك الذي نشاهده يخرج من السجن بعد تمضية 12 سنة خلف قضبانه، ونتعقب حياته وكيف سيمضيها من دون أن يفارقنا الضحك المبني على مفارقات ومواقف تمتلك كل مقومات الحياة المضحكة أصلاً، ليس في اتباع للعبث بل لما هي عليه تماماً. يهبط على أولريك، فور خروجه، رجل عصابة، ويخبره عن رجل يجب على أولريك أن يقتله انتقاماً، كون هذا الرجل كان سبب دخوله السجن، ومن مفارقة إلى أخرى، ومن شخصية مضحكة إلى أخرى أشد طرافة نمضي مع أولريك الذي يعمل في ميكانيكا السيارات لدى رجل حين يتكلم لا يتوقف أبداً وهو يتلو عليه وصية تلو أخرى ونظرية تلو الثانية، ومعهما في ورشة السيارات امرأة يقول له صاحب العمل «لا تقترب منها»، بينما يستأجر أولريك غرفة لدى أخت رجل العصابة، ويمضي وقته وهو يشاهد محطة تلفاز بولندية.

تتشابك العلاقات، الكل يستغل أولريك، صاحبة الغرفة تقدم له الطعام ليمارس الحب معها وهي المرأة القبيحة والعجوز، وحين يقابل زوجته تقول له ألا يقترب من ابنيهما لأنها قالت له إنه توفى، الأمر الذي لا يمنعها من ممارسة الحب معه، ومن ثم يمضي في ملاحقة ابنه، والتعرف إليه مجدداً وهو الذي يكون متزوجاً وامرأته حامل.

تلخيص سريع لأحداث الفيلم الذي تسرد أحداثه بسلاسة مدهشة، ومجاورة كل ذلك لما يمضي بأولريك في النهاية إلى قتل رجل العصابة بعد عجزه عن قتل كيني الواشي، باعتبار ان إقدامه على ذلك هو الحل الوحيد لعيش حياة طبيعية، وخصوصاً لدى قبول زوجة ابنه له. ثم أليس قتل رجل عصابة أفضل من قتل رجل له زوجة وأولاد؟ وليسأله كيني بعد أن يمتنع أولريك عن قتله ألا يدخن لأن لديه طفلاً.

فيلم مولاند يجعل من سرد الأحداث لا شيء أمام الكيفية التي تم السرد فيها، فكل ما نشاهده يأخذنا إليه تحت تأثير صياغة وبناء كل شخصية، ولعل الأحداث تتناغم وتلك الشخصيات، وما يفضي إليه الفيلم يكون دائماً منضبطاً تحت سطوة جماليات التندر والحوار الرشيق والأداء الخاص للممثلين.

«فراشة»

من السجن إلى الحرب، ومن النمسا والنرويج إلى اليابان حيث قدم، أول من أمس، فيلم Caterpillar «فراشة» للمخرج كوجي واكاماتسو ضمن البرنامج الرسمي للمهرجان، وجاء بمثابة هجائية قاسية للحرب، امتلك شيئاً من البناء المسرحي إن صح الوصف، ونحن نتكلم عن مواقع تصوير محدودة، وعلى شيء من تكرار مشاهد كثيرة، وكل ما يصرخ به الفيلم «إياكم والحرب».

لا يمهلنا الفيلم، منذ البداية سنكون أمام مشهد جنود يلاحقون نساء، ومن ثم يقدمون على اغتصابهن وقتلهن، ولينتقل الفيلم إلى جنديين يقومان بتسليم جندي إلى أسرته. في البداية سنظن أنه جثمان ذلك الجندي، لكن هذا الجندي سيكون على قيد الحياة، لكن بساقين مبتورتين، وساعد مبتور، ووجه محروق ومشوه، مع انعدام قدرته على الكلام والسمع، ولكم أن تعتبروا أن الموت أهون بمرات مما هو عليه، بل إن زوجته ستحاول خنقه في البداية.

يصور واكاماتسو ما طغى على الشعب الياباني إبان الحرب العالمية الثانية من تقديس للامبراطور، واعتبار ما صار عليه الجندي السابق الذكر شرفاً كبيراً، خصوصاً أنه نال ثلاثة أوسمة، منها اعتبار «إله الحرب» كما يصفه الامبراطور، وعليه فإن هذا «الإله» يكون مشوهاً، ومغتصب نساء، ولا شيء يفعله إلا الأكل والنوم والجنس، كما سيفعل مع زوجته في لقطات شديدة القسوة. التعبئة الجماهيرية على أشدها، من لا يذهب إلى الحرب يشعر بالمرارة والخجل ويتوق إلى أن يذهب بأية طريقة.الجندي المشوه يمسي رمزاً، ما أن يمر في العربة التي تضعه فيها زوجته حتى ينحني الجميع إجلالاً وإكباراً، بينما هو ليس إلا مغتصب نساء، وكان في ما مضى يضرب زوجته، وهي الآن تضربه، أو تكسر البيض على وجهه.

وينتهي الفيلم بإعلان خسارة اليابان واستعراض عدد القتلى في هيروشيما وناغازاكي ومن ثم بانتحار ذلك الجندي بزحفه إلا أن يصل البحيرة ويغرق فيها. الفيلم مرتبك ورتيب، وعلى شيء من مسرحة السينما، ولعله يؤكد بشاعة الحرب إلى حد يطال الفيلم نفسه.

لقطات من المهرجان

طباعة