رسوم ونودلز و «رسائل البحر»

بانسكي يقدم فيلماً محملاً بنكهة رسم الجدران. غيتي

إنهم يرسمون على جدران الشوارع وأنفاق المترو، ويمكن لأشكال بعينها أن ترافقك مراراً وأنت تتعقبها من مدينة أوروبية إلى أخرى، ومن ولاية أميركية إلى ثانية، لا بل إن هذه الرسوم ستجدها على جدار الفصل العنصري الإسرائيلي.

«كوميديا سوداء» احتفالاً بالعام الصيني الجديد

 احتفل المخرج الصيني زانغ يومو بالعام الصيني الجديد، بإطلاق فيلمه الأخير «امرأة ومسدس ومطعم نودلز»، وهو من نوع الكوميديا السوداء، ويدور حول مطعم نودلز في الصحراء. واعتماداً على فيلم الإثارة (دم بسيط) للمخرجين الأميركيين جويل كوين وايثان كوين عام ،1984 جاء فيلم ييمو بمثابة تحول كبير لزانغ، الذي اتسم عمله الفني خلال عقدين بالتعامل مع موضوعات أكثر جدية.

وقال يومو (58 عاماً) في مؤتمر صحافي أول من أمس، في برلين، احتفالاً بعرض الفيلم في مهرجان برلين السينمائي «برلينالي»، الذي ينافس فيه على

جائزة الدب الذهبي المرموقة «لقد كان الفيلم نوعاً من المخاطرة، نوعاً من المغامرة بالنسبة لي». وعن الفيلم الذي يبدو في بعض الأحيان أنه اصطبغ بصبغة أميركية غربية قال «أردت أن استكشف عبثية الحياة البشرية». وتدور أحداث فيلم «دم بسيط» في بلدة صغيرة في ولاية تكساس الأميركية، حيث يشتبه في أن مدير حانة يقيم علاقة مع زوجة رئيسه.

وأعرب يومو عن امتنانه لمهرجان برلين السينمائي لعرض الفيلم في اليوم الأول لما يسميه الصينيون عام النمر، واختياره ليكون في القائمة الرئيسة لاحتفال المهرجان بذكرى مرور 60 عاماً على انطلاقه. وجاء نجاح يومو عام 1988 في الفوز بجائزة الدب الذهبي عن فيلمه «الذرة الحمراء» بمثابة خطوة رئيسة في تقديم السينما الصينية إلى العالم.

وألقى «برلينالي» لهذا العام، الضوء مجدداً على السينما الآسيوية بقصة حب على خلفية التوتر بين تايوان والبر الرئيس للصين في بداية المهرجان الذي تستمر فعالياته 10 أيام. ويسرد فيلم توان يوان «بعيداً معاً» للمخرج الصيني وانغ كوانان قصة عودة أحد المحاربين القدامى من الحرب الأهلية الصينية إلى أول امرأة أحبها، وهو الأمر الذي يبعث فيه نفسه مشاعر السعادة والمرارة في الوقت نفس.

وتدور أحداث فيلم يومو «امرأة ومسدس ومطعم نودلز» في الصين الاقطاعية في موقع يتميز بالمناظر الطبيعية الجبلية الوعرة في غرب البلاد، وتم تصويره في 87 يوماً ومن دون أي موسيقى. إلا أن يومو قال «هذا المشهد الرائع، للمناظر الطبيعية الخلابة يمنح الفيلم شعوراً بعدم الواقعية، ونتيجة لذلك فهو ربما لم يكن ليحتاج إلى موسيقى، وهذه هي المرة الأولى أيضاً التي يتم فيها تصوير فيلم في هذه المنطقة».

وقال يومو إنه تلقى رسالة بالبريد الإلكتروني من الأخوين كوين، اللذين راقت لهما التغييرات التي أدخلها على فيلمهما الأصلي «دم بسيط »، خصوصاً إضافة مطعم النودلز إلى أحداث الفيلم.

وتدور قصة «امرأة ومسدس ومطعم نودلز» عن زوجة تقرر بعد 10 سنوات قضتها مع زوج متعسف أن تشتري مسدساً وتطلب من عشيقها (لي) أن يقتل زوجها، الرجل الثري الكبير السن صاحب المطعم. برلين ــ د.ب.أ



في دبي لن تعثر على هذه الرسوم، الجدران معقمة وملمعة، قد نصادف الكثير من الإعلانات لكن لها مساحاتها وأمكنتها، وبالتأكيد لن تصادف رسامي Graffiti «غرافيتي» يجدون في الشوراع معرضاً دائماً لرسومهم، وعلى شيء من رسائل أو دونها، يمكن لهم أن يحملوا أسماء مثل «غزاة الفضاء» أو «ماسح للدماغ» وغيرها، وبالتأكيد ومتى جرى الحديث عن «الغرافيتي» فإن اسم الرسام الإنجليزي بانسكي سرعان ما يطفو في الذهن بوصفه الأشهر.

بانسكي صنع فيلماً هذه المرة، عنوان الفيلم Exit Through the Gift Shop، وعرض ضمن البرنامج الرسمي للدورة 60 من مهرجان برلين السينمائي، الذي جاء وثائقياً محملاً بروح هذا الفن الذي أصبحت لوحاته تباع بملايين الدولارات.

بانسكي الذي يظهر مقنعاً في الفيلم يقول في البداية «إنه فيلم جيد ما دمتم لا تتوقعون الكثير» ومن ثم سنمضي خلف آلاف الرسوم التي تزحف على جدران المدن، خصوصاً حين يعرفنا بانسكي إلى تيري غواتيه، الذي يكون بصدد صنع فيلم عن بانسكي نفسه، فيمسي الأمر معكوساً، بمعنى أن بانسكي من سيصنع فيلماً عن تيري.

وثيقة

غواتيه شخصية عجيبة، في اللحظة الأولى التي أمسك فيها كاميرا الفيديو لم تتركها يده، إنه يصور كل شيء، وعلى مدار الساعة، يصور كل من حوله ونفسه وصولاً إلى الحمام، إلى أن يغدو مهووساً برسامي الغرافيتي ويمضي يصورهم بالطريقة نفسها، حيث يمضي من واحد إلى آخر، ويصور كل ما يقوم به، والنتيجة توثيق لرسوم لا عد ولا حصر لها، ونمط حياة وأساليب فنية لها أن تكون وليداً شرعياً للمدن الكبرى الحدثية، إلى أن يصل بانسكي الذي يصعب في البداية الوصول إليه، وحين يحصل ويلتقيه يقرر أن يصنع فيلماً عنه، وليكتشف حسبما يورد بانسكي أنه لا يعرف إلا أن يصور إلى ما لا نهاية، وحين يصنع فيلماً بعنوان «حياة جهاز تحكم» يكون بمنتهى الرداءة، فتنقلب الآية، يقرر غواتيه أن يصبح رسام «غرافيتي»، بينما يقوم بانسكي بتصوير فيلم عنه، بعد أن يحقق غواتيه نجاحات كبيرة في هذا الرسم.

بانسكي ومن خلال هذا الفيلم يقدم وثيقة مهمة عن فنه ومن ينتمون إلى هذا النمط من الرسم، الذي سرعان ما أصبح أساسياً في مقتنيات جامعي الأعمال الفنية، وللفيلم جماليات كثيرة تأتي من جماليات الفن الذي يقدمه، ولنا في لوحة رسمها بانسكي على الجدار العازل لفتاة تحمل بالونات تطير مثال من بين مئات الأمثلة.

امرأة ومسدس

فيلم صيني آخر حضر أيضاً ضمن عروض المسابقة الرسمية حمل عنوان «امرأة ومسدس ومطعم نودلز» للمخرج زانغ يومو، الذي استعان بتاريخه السينمائي الطويل، وقدراته على تقديم الفنتازيا بأسلوبه الصيني المعروف، ليقدم هذه المرة مساحة كوميدية خاصة تستثمر الأجواء والتقنيات الخاصة التي قدمها السينمائيون الصينيون، حيث تمسي صناعة النودلز في الفيلم مشهداً خارقاً في جمالياته، ولتمضي الفكاهة جنباً إلى جنب مع المؤثرات الصوتية والبصرية، وهو يقدم قصةً عن الخيانة والحب والجريمة وعبر خيوط درامية متشابكة تجد مفارقتها من خلال العنوان نفسه.

فالمرأة التي تشتري مسدساً من تاجر، تدير محلاً لصناعة النودلز، هذا التاجر يجرب أمامها المدفع أيضاً فتصنع القنبلة التي يقذفها حفرة بعيدة، تأتي الشرطة على الخيول لتبين مصدر صوت الانفجار. المرأة متزوجة من رجل يضطهدها، يوشي بها ضابط الشرطة إليه بأنها تخونه مع عامل لديه.

المسدس سيحوي ثلاث رصاصات، كل رصاصة ستقف خلفها قصة مع تداخل الشخصيات، وستكون المفارقة مفتوحة على مصراعيها وبناء على أسباب مضحكة، وفي النهاية فإنهم جميعاً سيسقطون صرعى المسدس أو غيره من الأسلحة، لا بل الحفرة التي صنعتها قنبلة المدفع في البداية ستتحول إلى قبر للزوج، ولتبقى المرأة فقط وليكون الفضل، كل الفضل، للمسدس.

داود عبدالسيد

خارج المسابقة والنودلز الصيني، ستصل رسائل المخرج المصري داود عبدالسيد وقد خرج إلينا أخيراً بفيلم بعد طول انتظار، ولعل في ذلك حدثاً بحد ذاته، ولنشاهد أول من أمس جديده «رسائل البحر»، ولعل هذه الرسائل لن تجد من يقرأها، أو أنها ستبقى حبيسة رموزها التي يستعصي في النهاية فكها، وتحديداً تلك الرسالة التي يقع عليها الصياد في بداية الفيلم وهي داخل زجاجة فيستعيذ من الشيطان ويرمي بها مجدداً إلى البحر.

رسائل عبدالسيد التي يود إيصالها على عكس ما تقدم، لقد وصلت لكن برقة، فهو في هذا الفيلم مأخوذ تماماً بقصة يحيى الذي «يتأتئ» ويريد أن يعيش حياة حرة متمركزة حول جمال هذه الحياة، حيث الحب والصداقة وصيد السمك، وبعيداً عن مهنة الطب الذي درسه. يحيى ينتقل من فيلا كبيرة بعيد وفاة أمه، إلى شقة صغيرة في الاسكندرية، ونمضي معه وهو يبني عالمه الخاص وهو يجرب الكحول لأول مرة، ويتعرف إلى «بادي غارد» له أن يكون مثالاً بالقوة والطيبة في آن معاً، إنه مأخوذ بنافذة يقف أمامها ساعات وساعات وهو ينصت إلى من يعزف على البيانو من خلفها، ومن ثم يمشي إلى جانب امرأة تصعد معه بيته فيظنها «عاهرة» ويعرض عليها نقوداً فتقبل بـ10 حنيهات، وليكون ذلك بمثابة انطلاقه في قصة حب تعدنا باكتشافات كثيرة أولها أن هذه المرأة ليست «عاهرة»، وما إلى هنالك مما يصعد من علاقة يحيى معها.

ستحضر الاسكندرية وما كانت عليه كمدينة «كوسموبوليتانية» من خلال العائلة الايطالية في العمارة التي يسكن فيها يحيى، سيكون في الأمر حنين غير مباشر ويحيى يستعيد ذكرياته مع الأم وابنتها، وقد كان على علاقة حب بالأخيرة، ولعل رصد ذلك في سياق قصة وشخصية يحيى سيمنح لحضور (الحاج) الذي ينوي اخلاء العمارة وإقامة مركز تسوق مكانها حضوراً للحاضر، خصوصاً أن هذا الأخير يصطاد السمك بالديناميت، كما سنرى في اللقطة الأخيرة من الفيلم، حيث يحيى وحبيبته وسط قارب محاط بالأسماك الميتة الطافية على سطح الماء، وليسبق ذلك تشويهات كثيرة مثل ما يمثله بواب العمارة الذي يطرأ عليها مستحضراً قيمه، ومن ثم رحيل الأم الايطالية وابنتها.

داود عبدالسيد يقدم الاسكندرية مدينة عالمية. أرشيفية

الفيلم رقيق ومملوء بالحب والاحتفاء بالحياة، وليتمركز كل ذلك حول يحيى كما لو أنه آخر الأبرياء، الأمر الذي يدفعنا في النهاية للقول «والله زمان يا داود عبدالسيد».

لقطات من المهرجان

 

ليوناردو دي كابريو         كريت كروينغ

 

اندرس باسمو                     زرنيكا كيفتسك

بين كينغسلي

طباعة