نازار.. «نقطة الوسط لا تُحتمل»

الصراع ينتقل عبر الزمان بأشكال وتداعيات مختلفة في أعمال نازار. تصوير: مصطفى قاسمي

لا يمكن للمشاهد الذي يرى لوحات التشكيلي الإيراني أحمد نازار، سوى أن يعود إلى بيئة الفنان التي انعكست بشكل واضح في لوحاته التي عرضت في «بي 21» غاليري في دبي، فهي ليست مجرد لوحات رسمت بواسطة الريشة وطبعت ألوانها بشيء من الحلم، بل هي أشبه بترجمة واقعية لزمن يعيش فيه الناس صراعاً بين الواقع والمثالية، فبدت مرآة تظهر واقع الأوضاع المجتمعية، وكذلك السياسية التي يعيشها الناس في إيران.

وقد نجح التشكيلي باختصار واقعه بالأبيض والأسود، لتكون للألوان مهمة محددة لا تتخطى كسر الجمود أو لتصبح رمزاً لغياب الإنسانية.

قدم نازار الذي يعد من أساتذة الفن المعاصر في إيران، 10 لوحات من الاكريليك، إلى جانب جدارية رسمها بالحبر الأسود، حملت كلها الهم نفسه، وهو الصراع بين الخير والشر. ولعلنا شهدنا هذا الموضوع في أكثر من معرض ولدى أكثر من رسام، ولكن ما يميز أعمال نازار، هو الأسلوب الذي أبعد فيه الصراع عن قوى محددة، مكتفياً بأن يكون الشخص الواحد الذي يتنقل من لوحة لأخرى، هو محط الصراع الدائم الذي وإن تعددت أسبابه يبقى في النهاية بشكل واحد. وقد جرد الإيراني شخوصه من الإنسانية في كثير من الأحيان، حيث كان يستعيض عن الرؤوس أو الأقدام برؤوس وأقدام لحيوانات وحشية كدليل على وحشية الحياة من جهة تفرض علينا صراعات لابد من الدخول فيها وتحدد خاسراً ورابحاً، علماً بأن الإنسانية هي الخاسر الأول على الإطلاق.

لم تخل من السخرية، لوحات نازار في معرضه الذي يستمر حتى 10 مارس المقبل، تحت عنوان «نقطة الوسط لا تحتمل»، فقد أعطى الرجل في لوحاته العديد من الأدوار التي كانت فاعلة أحياناً، أو لا تحرك ساكناً أحياناً أخرى، فكان الرجل المرتدي البدلة الأنيقة ذا الرأس المستبدل برأس حيوان والذي ظهر في لوحات أخرى معتمرا خوذة حربية وكأنه بلا ملامح وبلا رأس، خير دليل على تهميش البشر لعقولهم. كما كانت الثقافة التي جسدها في الكتب على رؤوس الرجال غير فاعلة، لا يمكن أن تغير من واقع الصراع المفروض على البشر.

سيرة فنية


يعيش الفنان أحمد نازار الذي ولد عام 1964 في إيران، وعلم الرسم للعديد من فنانين معاصرين في إيران ومنهم روكني ورامين هايرزاده. ويعكس في أعماله التي شارك بها في العديد من المعارض الفردية والجماعية، واقع الحياة الإيرانية.

ويعتبر معرضه في دبي الأول له في الشرق الأوسط، حيث قدم نحو 20 معرضاً جماعياً، وثمانية معارض منفردة في إيران، وفي باريس وألمانيا.

ويضع الرسام بلوحاته التي ركز فيها على الأبيض والأسود مع إضافة القليل من الألوان، المشاهد أمام لعبة التخاطب مع الحركة واللون، فأبطال الصراع لديه في حركة دائماً، حركة رسمت بأسلوب معاصر يحفظ لأصول الرسم الكلاسيكي حقه في وضع الخطوط الأولى للوحة. لذا يمكن القول إنه نجح في الجمع بين المعاصر والقديم تقنياً، علماً بأن الخلفيات البيضاء غالباً ما تجعل من مهمة التعبير في الصورة أمراً أكثر صعوبة من الناحية الفنية.

أما اللافت في أسلوبه التعبيري، فهو كسر التابوهات، وتخطي الخطوط الحمراء، لاسيما عندما رسم جسد الرجل العاري، أو حين وضع الواقي الذكري على رؤوس الرجال كقبعات يعتمرونها. وقد تميزت جدارية نازار التي تعتبر تلخيصاً للمعرض بكونها اختصرت أوجه الصراع المتعددة التي قدمها الفنان، والتي كانت غير معروفة الأسباب، فهي مقتطفات حياتية رسمت في فراغات الدوائر التي كونها الرسام على الجدارية. أما الزمان فهو لا يتوقف عند لحظة معينة، بل كأنه حلقة وسلسلة متواصلة من الصراعات التي نشهدها في كل زمان، بأشكال وتداعيات مختلفة.
طباعة