بولانسكي وشاروخان والحرب على الإرهاب

شاروخان: اسمي خان وأنا لست إرهابياً.                  من المصدر

لا يمتلك المخرج الألماني فيرتور هيرتزوغ «وصفة سحرية» يحكم من خلالها على أفلام الدورة الـ60 من مهرجان برلين السينمائي، لكنه أوضح في المؤتمر الصحافي الذي عقده أول من أمس، مع أعضاء لجنة التحكيم التي يرأسها، أن الفيلم الجيد لا يواري نفسه، مشدداً في الوقت نفسه على دور المهرجان بوصفه معبراً لصانعي الأفلام الشباب.

الأفلام التي لا تخبئ نفسها، سيكون حالها من حال الطقس في برلين الذي لا يخفي برده الشديد، والثلج يمشي وعروض الأفلام يداً بيد، تخرج من فيلم لتشاهد آخر وأنت تحمل على ثيابك الكثير من أبيضه، ليأتي ما يذيبه أو يبقيه من أفلام، ويمكن لعروض اليوم الأول أن تتكئ على «الحرب على الإرهاب»، لكن عبر مقاربتين مختلفتين تماماً وعلى شيء من التحليق حولها، كما فعل رومان بولانسكي الذي قدم أول من أمس جديده The Ghost Writer (الكاتب الشبح)، حيث حضر الفيلم وكامل طاقم العمل دون بولانسكي الذي يخضع لإقامة جبرية منذ اعتقاله في سويسرا إثر الحكم القضائي الشهير وقضيته الأشهر في الولايات المتحدة، لا بل إن بولانسكي فرغ من النسخة الأولية من الفيلم في أغسطس العام الماضي، وليلقى القبض عليه في سبتمبر، وعليه وبعيداً عن ملابسات قضية بولانسكي، فإنه كان يتابع مراحل المونتاج والموسيقى التصويرية وغيرها من التفاصيل وهو مقيد الحركة، الأمر الذي لم يؤثر أبداً في جودة هذا الفيلم الذي يثبت من خلاله أنه مازال كما نعرفه ينتقل من منجز إلى آخر، من «الحي الصيني» 1974 و«قمر مر» 1992 مروراً بـ«عازف البيانو» 2002 وصولاً إلى جديده.

فيلم (الكاتب الشبح) مصنوع بحنكة متأصلة، وهو الأبرز دون منازع من بين أفلام عروض اليوم الثاني للمهرجان، ومبني وفق سيناريو لا تفارقه عناصر التشويق التي يتناغم فيها البوليسي مع السياسي، حيث يمسي الكاتب محققاً، ويأخذه فضوله الذي يقاسمنا إياه إلى اكتشافات لها أن تتوالى مع نهايات الفيلم.

لكن وقبل كل ما تقدم فنحن أمام دراما سياسية أولاً، حيث يكون على هذا الكاتب (ايوان ماكرغر) أن يكتب السيرة الشخصية لرئيس وزراء بريطاني أسبق اسمه آدام لانغز (بيرس بروسنان)، ولتأتي موافقة الكاتب على ذلك بالتزامن مع فضيحة تطال لانغز تتمثل في إقدامه على تسليم أربعة عناصر من تنظيم القاعدة إلى وكالة المخابرات المركزية الأميركية «سي آي أيه» وهم مواطنون انجليز، وتعذيبهم في طائرة يلقى أحدهم مصرعه تحت وطأته.

ما تقدم سيحول لانغز إلى مجرم حرب وهو يجابه هذا الاتهام بعتاد كامل من «كليشهات» الحرب على الإرهاب، وليتورط الكاتب باكتشاف سلسلة طويلة من الحقائق التي نخلص بداية إلى أن لانغز، أي رئيس الوزراء البريطاني، ليس إلا عميلاً في «سي آي أيه» ولتبقى النهاية كفيلة بكشف كيف ومتى؟ الأمر الذي يقع عليه الكاتب ولينتهي الفيلم بمقتله بعد مقتل لانغز نفسه.

في فيلم «الكاتب الشبح» الكثير مما يحيط حالياً رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير، ولعل الصرخات المنادية ببلير بوصفه «مجرم حرب» تلتقي وما نشاهده، مع التأكيد على أن رئيس الوزراء البريطاني ليس إلا أداة بيد «سي آي أيه» الجاهزة لتصفية كل من يعيق أو يفضح هذه الحقيقة، ولعل الاكتشاف الأكبر الذي يضعه الفيلم يأتي من جهة زوجة رئيس الوزراء (أوليفا وليامز) التي تكون المسير الحقيقي لسياسات زوجها كونها هي من تقوده من البداية إلى ما قبل النهاية، وكل ما يقوم به يكون في خدمة سياسات الولايات المتحدة، لا بل إنه يجد في أميركا مكان إقامته قبل القضية وبعدها.

هناك الكثير من التشعبات في فيلم بولانسكي، ولعل هذا المرور السريع لايفيه حقه ولنا أن نستعرضه مجدداً في مقام منفصل، ولننتقل من بولانسكي إلى «بوليوود» التي يجد مهرجان برلين هذه السنة في اختياره فيلم My Name is Khan «مي خان» ضمن عروضه الرسمية (خارج المسابقة) عودة لهذه السينما، ومعه فيلمين في برنامج «أجيال» هما «الوصية» و«فيلم طريق»، وعلى شيء بالاحتفاء الخجول ببوليوود التي تنتج 1000 فيلم كل عام دون أن يكون لها موطئ قدم في المهرجانات العالمية بمعدل مشاهدة تصل إلى أربعة مليارات نسمة حول العالم.

فيلم «اسمي خان» الذي أخرجه كاران جوهر وأسهمت في انتاجه «فوكس سنشيري» الهوليوودية، يحاول تبديد ما عودتنا عليه «بوليوود» من نمطية ميلودرامية غنائية، وفي اتباع لما حققه فيلم «مليونير الأحياء الفقيرة»، وعلى شيء من الخلط بين إشكالية معاصرة تتمثل أيضاً في الحرب على الإرهاب والصورة النمطية عن المسلم، مع قصص أخرى عن الصراع الطائفي بين الهندوس والمسلمين وعلى شيء من الوعظية والسذاجة، وفي اجراء تعديلات على النجم البوليوودي شاروخان الذي جسد شخصية خان الرجل الحاد الذكاء لكن المصاب بالتوحد والذي يوحي بالجنون لكنه ليس كذلك. نقع عليه في البداية وهو يتعرض لتفتيش ذاتي في مطار سان فرانسيسكو لأنه يسمع يردد آيات قرآنية، ويخبر رجل الشرطة بأنه في طريقه ليقابل رئيس الولايات المتحدة ليقول له شيئاً واحداً ألا وهو «اسمي خان وأنا لست إرهابياً».

وبعد ذلك ستصحو الميلودراما المأخوذة بوصفات جاهزة، ونمضي خلف طفولته العجيبة وقصة حبه الأعجب، وغير ذلك مما يحاول شاروخان تقديمه في دور لم يمثل مثله من قبل، ونحن نقول: «ليته لم يفعل».

شخصية خان نفسها خلطة فاشلة بين شخصيات شاهدناها في أفلام مثل «رجل المطر» و«فورست غامب» مع بضعة توابل كأن يكون خان مؤرقاً بصورة الأميركي عن المسلم، ولا شيء جديد تحت شمس بوليوود السعيدة.

بالانتقال إلى ثالث أفلام اليوم البرليني الثاني، فإننا نقع على فيلم Howl (عواء) العنوان الذي يقودكم إن كنتم من عشاق الشعر إلى قصيدة بالعنوان نفسه للشاعر الأميركي الشهير آلان غينسبرغ، وهذا هو تماماً ما قدمه الفيلم، إنه فيلم القصيدة، وقصيدة الفيلم، وفي تجاور بين هذه القصيدة المفصلية التي تلقى كاملة في الفيلم (يؤدي جيمس فرانكو شخصية غينسبرغ) مع «الأنيماشن» الذي يحاول تجسيد عوالمها، ومعهما توثيق للمحاكمة التي تعرضت لها المجموعة الشعرية التي حملت قصيدة «عواء» عام ،1957 وعليه نكون أمام فيلم يجمع الوثائقي مع «الأنيماشن» والشعر، والنتيجة وثيقة جمالية لقصيدة «عواء» وغينسبرغ وما عرف بجيل «البنتكس» في سان فرانسيسكو الذي قدم كتاباً مثل جاك كرواك ونيل كسادي وغيرهما ممن يتم تجسيدهم من خلال قصيدة غينسبرغ أو علاقتهم به. أخرج وكتب فيلم «عواء» كل من روب ايبشتن وجيفري فريدمان وقد عرفا بأفلامهما الوثائقية، وليكون الوثائقي طاغياً أيضاً على تجربتهما الروائية الأولى، وفي مزج له أن يكون ناجحاً في وفائه للشعر وتوثيقه لانتصار قصيدة «عواء» في النهاية ضد الدعوة التي تصفها بالإباحية وعدم اللياقة، في ما له أن يكون في النهاية انتصاراً لحرية التعبير بالمعنى الأشمل.

طباعة