ألوان ترقص على أنغام الكلارنيت

كيفورك مراد: الأحاسيس في اللوحات أهم من الفكرة. تصوير: لؤي أبوهيكل

رقصت الألوان على أنغام موسيقى الكلارنيت، وجسدتا معاً ملحمة جلجامش في عرض استمر نحو نصف ساعة، قدمه الرسام السوري كيفورك مراد والمؤلف الموسيقي وعازف الكلارنيت السوري كنان العظمة، وذلك في «كورت يارد» غاليري في دبي. وقدم المؤلف الموسيقي الذي يقيم في نيويورك الأسى والحزن، وأحياناً الفرح، في هذه الملحمة من خلال آلة النفخ التي أخذت الحضور إلى زمن بعيد، عبر نغمات نجح كيفورك في الرسم على إيقاعها، ليصور مشاهد متعددة لأوروك ملك جلجامش، وكذلك الشخصيات الأخرى التي رافقته في الملحمة، بصورة تعبيرية لا تجعل المشهد مقتصراً على سرد وقائع تاريخية، بل يجردها من الزمن، لتحاكي المشاعر والأحاسيس، أينما ومتى وجدت.

وانتقلت موسيقى العظمة بالناس من أسلوب غربي بحت ليفاجأ الحضور بوصلة من الأنغام الشرقية، من دون أن تكون هناك هوة أو فجوة بين الفنيين، مؤكداً بذلك أن الفن يجب أن يقدم لجميع الناس، وأنه لغة ترفض أن تنحصر ضمن مقامات شرقية أو نوتات وإيقاعات غربية. ولم ينجح العظمة في العرض في تقديم المقطوعة التي ألفها خصيصا للملحمة فحسب، بل أيضا تمكن من ارتجال وصلات عديدة أخرى، وذلك بفعل المكان الذي أقيم فيه العرض، حيث كانت الطبيعة ملهمته الأولى. وكان واضحا تأثر العازف بالأجواء الشامية، على الرغم من أنه يقيم في نيويورك، وبرز ذلك من خلال التكبيرة التي كررت في نهاية المقطوعة، وكأنه أراد بذلك نقل أجواء الشام التي يرتفع الأذان فيها خمس مرات في اليوم.

وتميز كيفورك بجذبه الحضور بموهبته التي كانت ترسم بالألوان بعض الخطوط، ثم يعود ويوزع ظلالها بيده، لينجح في تصوير شخصيات وجبال، أو ربما في رسم لوحة متكاملة في دقيقة واحدة. وما يمكن التأكيد عليه أن تصوير الملحمة قد يكون غامضا لمن لم يقرأها، إذ لن تكون معاني الرقصات والأحلام، وكذلك الصداقة، أو حتى الأماكن التي صورها مراد، كالغابات والجبال، مفهومة أو واضحة له. وركز مراد في تصوير الأحداث على اللونين الأبيض والأسود، وتمكن من أن يتتبع اللحن تماماً لتكون كل ضربة لونية متناسبة مع النوتات الموسيقية، فتخف وتقوى مع وقع الموسيقى.

العراق

وإلى جانب العرض الذي أقيم أول من أمس، افتتح معرض للوحات الفنان كيفورك مراد، والذي يمكن القول إنه كان يأخذ شيئا من روح الملحمة، كون معظم اللوحات التي عرضها جسدت العراق. وقدم الفنان لمسته في المزج بين الحروف والألوان، وفي استخدام الظلال اللونية كأسلوب يعطي الصورة أبعاداً إضافية. وحاكت لوحاته الـ23 الصراع والضياع، لتنتقل بعد ذلك إلى إعادة البناء وتجسيد الفرح من خلال الأنهار والحدائق. وكان لافتاً في لوحات مراد الحوار بين الأشكال والألوان، لاسيما المتداخلة في ما بينها، حيث إنه في أحيان كثيرة، كان يضيع تفاصيل الأشكال في الألوان الممزوجة بأسلوب معقد يبقي داخل اللوحة شيئاً من الإبهام، ليكون المعنى في قلب الرسام، إن صح التعبير.

حرية

وقال كيفورك مراد لـ«الإمارات اليوم» إنه من الفنانين الذين تأثروا كثيرا بأصوله الأرمينية، وكذلك خلال حياته في دمشق، فيما جعلته حياته في أميركا أكثر قربا لجذوره، لأنها منحته الحرية في رؤية وتقديم ما يشاء. وأضاف «لوحاتي مزيج بين الخط العربي أو الأشكال العربية والمنمنمات الأرمينية، واستغرق هذا وقتا طويلا لأصل إلى هذه النتيجة».

واعتبر أن لوحاته التي عرضت العراق ومزجت مع الخط العربي مبنية على الإحساس بشكل أساسي. وقال « الإحساس والفكرة أهم من اللون عندي، ولا يمكن أن أقرر ماذا سأرسم، بل مشاعري هي التي تقدم اللوحة».

أما العرض الذي قدمه مع العازف، فلفت إلى أنه يعمل في المرسم بمرافقة الموسيقى، وأنها المرة الأولى التي يقدم فيها عرض للرسم على الورق ومنقول بالكاميرا أمام الحضور، وذلك مع العرض الموسيقي وتعتبر تفرداً للاثنين، لأنه لم يسبق تقديمها بهذا الشكل.

وقال كنان العظمة «لا أؤمن بفكرة الغربي والشرقي في العزف، ولا أدعي أنني شخص متقن للمقامات الشرقية، بل إني شخص يختبر، وارتجلت كثيرا في المقطوعة التي قدمتها، إذ كان يهمني أن أصطحب الناس معي وأنا استكشف، لأني أهتم بأن يستكشف الحضور معي عالم الموسيقى». ولفت إلى أن المشهد الذي يحيط الفنان مهم .

وقال «وجودي في الطبيعة والهواء الطلق أثر في، وبالتالي، من الطبيعي أن يؤثر في طريقة عزفي، فهذا مشهد ليس موجوداً في نيويورك حيث أعيش».

وأضاف «كان عزفي في أثناء رسم الملحمة هادئا وبسيطا، لأني أهتم ببناء المادة اللحنية إلى البساطة، لكي لا تكون جرعة زائدة من النوتات، فأحبها خفيفة، يشمّها الحضور كوردة».

 ملحمة

يعود اختيار الفنانين السوريين الرسام كيفورك مراد والمولف الموسيقي وعازف الكلارنيت كنان العظمة ملحمة جلجامش، وعرضها بالصور والموسيقى، إلى أنها من أهم الملاحم التاريخية، وموضوعها هو الموت والحياة والفناء والخلود، وتجسد كيف يمكن أن يكون الإنسان خالداً بأعماله التي يتركها لتستفيد منها البشرية، وتكون سبيلاً لحياة جميلة وبعيدة عن الآلام. وهذه الملحمة نص شعري طويل مكتوب باللغات السومرية والآكادية والبابلية، وموزع على 12 لوحاً فخارياً، ويعتقد علماء أن ألواحاً أخرى مازالت مفقودة، أو أصيبت بالتلف.

طباعة