«شارلوك هولمز» ينتـصر على السحر بالعلم

هولمز (روبرت دوناي) ومساعده واتسون (جود لو). ارشيفية

سيكون على شارلوك هولمز أن يتعرض لبعض التعديلات ليكون متسقاً ومتفقاً مع كل المتغيرات التي طرأت على العالم منذ ولادته على يد الكاتب الاسكتلندي آرثر كانون عام ،1887 خصوصاً مع متغيرات الشاشة الكبيرة ومتطلبات المشاهد التي أسست وفق الإيقاع السريع الذي يتحكم في كل شيء أو «الأكشن»، مع الحفاظ على صفات متأصلة في هذا المحقق الشهير بغليونه وعمق تفكيره وثقافته التي تقوده إلى حل أكثر الجرائم غموضاً مسـتعيناً بعقله أولاً الذي سيكون أعتى الأسلحة وأشدها نجاحاً، مع قدراته في أشياء كثيرة أخرى.

يجب بداية التأكيد على أن فيلم «شارلوك هولمز» المعروض حالياً في دور السينما المحلية، يقدم شخصية أصبحت على شيء من الأسطورة في المخيلة الانجليزية أولاً، ثم العالمية، حيث هناك متحف خاص به، والكثير من المعالم التي تتفق على أنه ليس محققاً عادياً، إضافة إلى ظهوره مئات المرات على الشاشات الكبيرة والصغيرة، وجسّدت شخصيته أسماء كبيرة في عالم التمثيل، مثل روجر مور وجون نيفل، وبالتأكيد مايكل كين الذي ترتبط صورة هولمز إلى حد بعيد به، وكل ذلك بعد أن ألف عنه كانون أربع رواية و56 قصة قصيرة، ولعل نجاح الفيلم حالياً في استقطاب عدد كبير من المشاهدين متأت مما سبق وأكثر، ولن تكون النتيجة مخيبة، لأن الفيلم سيكون على قدر خاص من التميز على صعيد تقديمه مساحة لطيفة وخفيفة الظل من الترفيه ينسجها روبرت دوناي الذي جسد شخصية هولمز ببراعة، مازجاً بين وسامته ورجولته وقدرته على التحلي بصفات هولمز الأثيرة، مع صلاحيته لتقديم الجانب «البوهيمي» في حياة هذا المحقق التي عرف بها، ويأتي إلى جانبه مساعده وصديقة ومكمله الدكتور جون واتسون الذي لعب دوره الانجليزي جود لو.

كما أن الفيلم وفيّ للندن في أواخر القرن التاسع عشر، ويستثمر في أدوات ومعطيات ذلك العصر، لكن مع نقلها إلى مستويات تجعل شارلوك هولمز على اتصال غير مباشر بجيمس بوند، طالما أن خطة اللورد بلاك وود تكون وسيلة للسيطرة على العالم بعد السيطرة على بريطانيا عن طريق السلاح الكيماوي الذي سيكون أول من يخترعه.

شارلوك هولمز في هذا الفيلم الذي أخرجه غاي ريتش صاحب «سناتش»، ذكي وفوضوي وخفيف الدم، وعلى استعداد دائم لاكتشاف الجرائم، ومتى توقف عمله فإنه سيكون كئيباً يعيش فراغاً قاتلاً وهو يفرغ طلقات مسدسه في الحائط أمامه، أو يقوم بتحليل شخصية صديقة الدكتور واتسون، وبوقاحة تستدعي منها رد فعل يتمثل في رمي ما في كأسها في وجهه، كما أن الفيلم يرينا الأحداث لمرتين، المرة الأولى تكون كما شاهدنا الحدث وفي الثانية تكون رواية هولمز نفسه لأن أموراً كثيرة تكون خافية عنا، مثلما هي الحال مع المحققة ايرين (راشيل مكآدمز) التي تكون نقطة ضعف هولمز هو الهائم بها، والتي تعمل دائماً لمصلحتها وبأنانية مفرطة. تزوره ايرين في بيته، فنشاهدها تمضي لتركب عربة تحمل رجلاً يبقى غامضاً حتى نهاية الفيلم، ومن ثم نشاهد رواية هولمز وهو يتعقبها ويعاين مع من تتعامل، وذلك على طريقته الخاصة.

هولمز في الفيلم يشرح لنا كيف يستخدم قبضته، ينازل من يفوقه قوة لكنه يوضح كيف يستخدم عقله في إلحاق الهزيمة به، يفكر ويخرج بالأدلة التي سرعان ما تتضح في نهاية الفيلم، يستخدم معرفته بالعلوم ويستثمرها في منع الشر عنه وعمن معه أيضاً.

لكن من سيكون عدو هولمز في فيلمنا هذا؟ الإجابة عن هذا السؤال ستكون مع اللورد بلاك وود الذي نشاهد مع بداية الفيلم هولمز يلقي القبض عليه، ومن ثم إعدامه بعد محاكمته، لكن سرعان ما يصل هولمز ما يقول له إنه نهض من بين الأموات، وعلى شيء يعزز من قوة السحر لدى هذا اللورد الذي يطمح إلى استعباد البشرية بقوة سحره، لكنه لن يستطيع تحقيق مراده طالما أن رجلاً علمياً مثل هولمز سيكون بالمرصاد له، وعبر سلسلة من المطاردات والاكتشافات التي سيقوم بها هولمز بمنتهى الخفة برفقة الدكتور وتسون وايرين، وإفشال مخططه في البرلمان الانجليزي.

أهم ما في الفيلم أن هولمز لا يستسلم لحيل بلاك وود، ويبحث بحنكة عما يقف خلف السحر والخوارق التي يقوم بها، حيث يكتشفها واحدة تلو أخرى، والتي تكون في النهاية توظيفاً خفياً لمكتشفات علمية لا يكون البشر على اطلاع عليها، كما أن طاقم عمل كامل يكون في خدمته لتنفيذ مخطاطته، فهولمز رجل علمي لا تنطلي عليه قصة أن بمقدور بلاك وود العودة إلى الحياة لا لشيء إلا لكونه محتكماً إلى قدرة خارقة، لا بل إنه وبعد مشهد تصارعه معه على جسر لندن الذي يكون قيد الإنشاء وانهاء حياته باعتماده على ذكائه، سيمضي في إيضاح الكيفية التي نفذ بها بلاك وود كل ما رأيناه بوصفه سحراً.

فيلم «شارلوك هولمز» يدعونا إلى المرح، وتلقي استنتاجات هولمز بالضحك، إضافة إلى التشويق الذي لا يستعين إلا بحوار رشيق، وتعليقات ساخرة، وبالتأكيد وفق حركية عالية، ومبادئ يتبعها هولمز في عالم الجريمة، الأمر الذي لا يستثني منه أحداً بما في ذلك كلبه الذي يستخدمه في تجاربه كما لو أنه فأر مختبرات.

طباعة