الشرياني: الإمارات نموذج فريد في العالم للتعايش

محمد الشرياني: ثقافة الإمارات السائدة تميل إلى الاعتدال. من المصدر

قال مدير إدارة شؤون المجتمع في المجلس الأعلى للأمن الوطني، الدكتور محمد علي عمير الشرياني، إن الإمارات تعد نموذجاً فريدا للتعايش السلمي على مستوى العالم، وأضاف «يأتي السببان التاريخي والثقافي في مقدمة الأسباب التي تجعل من الإمارات نموذجاً للتعايش بين أكثر من 180 جنسية تعيش على أرضها، حيث لم تعرف البلاد في تاريخها القريب صراعاً عنيفا، أو بروز تيارات متشددة».

وفي محاضرة قدمها أول من أمس في المجمع الثقافي في أبوظبي بعنوان «الهويات الثقافية والتعايش السلمي»، ضمن برنامج المحاضرات الشهري الذي تنظمه إدارة الثقافة والفنون في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، أوضح الشرياني أن «الإمارات تعد استثناءً على المستوى العربي، في ظل مشاهد العنف العربي ــ العربي التي نتابعها في العراق ولبنان وفلسطين واليمن، من دون أن نعرف ما هي القضية، وما يجري من صراعات العبثية وانهيار في القيم والأخلاق والحس المدني، فكل ذلك يؤكد أن العنف هو القاعدة السائدة عربياً.. غير أن الإمارات تعد واحدة من الاستثناءات القليلة في قاعدة العنف والتطرف والتشدد والقلق العربي، ونحن مقصرون في دراسة هذا الجانب باستفاضة».

ويعد المحاضر من أوائل الباحثين الذين تطرقوا لموضوع الهوية الوطنية في دولة الإمارات عبر أطروحة الدكتوراه التي أنجزها في ،2004 إلى جانب تناوله موضوع العمالة الوافدة والاستقرار السياسي في الإمارات في رسالة الماجستير. وقد استعرض في المحاضرة سجلّ الإمارات المشرف على صعيد السلم الاجتماعي، وما تتفرد به من تعايش سلمي بين جاليات من جنسيات مختلفة يزيد عددها على 180 جنسية، إلى جانب كونها تستقطب أكثر من ثمانية ملايين سائح سنويا، وأرجع ذلك إلى أسباب عدة، من أبرزها «الاستقرار السياسي والاعتدال الفكري والازدهار الاقتصادي في الدولة، بالإضافة إلى الدور الكبير للمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لترسيخ هذه المبادئ في الداخل والخارج، ثم تولي صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان مقاليد الحكم، وما يمثله ذلك من تواصل مسيرة العطاء والتسامح».

وقال «الثقافة السائدة في الإمارات تميل إلى الاعتدال والتوازن والتسامح والانضباط في السلوك والتفكير، وعلاوة على ذلك، يسهم الرخاء الاقتصادي في بقائها بعيداً عن الصراعات والتوترات، إضافة إلى الجو الاجتماعي الليبرالي المريح للتعايش السلمي القائم على مبدأ احترام الحرية الشخصية يدفع المواطنين والمقيمين للإقبال على الحياة. وبجانب ذلك كله، ساهمت السياسة الخارجية المعتدلة والمحايدة للإمارات في تعزيز مكانتها بين الدول، واعتبارها صديقة للجميع، والكل يشعر بالرضا تجاه مواقفها القومية وسلوكها الخارجي».

ودعا الشرياني المفكرين والباحثين لتقديم المزيد من الكتابات والدراسات حول الدمج بين الحفاظ على الهوية الوطنية من جهة، والتعايش السلمي من جهة أخرى، وما ينتج عن هذا الدمج من منطقة مشتركة قد تكون ضئيلة في البداية، ولكن، كلما اتسعت زاد تقبّل كل طرف للآخر، موضحا أنه «لا يمكن تصور قيام أي تعاون من دون الإقرار بمبدأ التنوع الثقافي، والذي تشترك من خلاله جميع الحضارات في الإيمان بقيم الإخاء والعدل والتسامح، وهي مبادئ كونية ينبغي الارتقاء بمضامينها وترسيخها في الضمائر والسلوك، باعتبارها موروثا إنسانيا جماعيا ينبغي التأسيس عليه لتحقيق تعايش سلمي بين الهويات الثقافية المختلفة».

وقدم المحاضر تعريفات مختلفة لمفاهيم الهوية الثقافية، والتعايش السلمي، متطرقا إلى أهمية التسامح وأثره في العلاقات الإنسانية، وأشكال ووسائل تحقيق التعايش السلمي؛ موضحاً ان تعريف الهوية الثقافية في الدول العربية يخضع لثلاثة تيارات فكرية تحدد هذا المفهوم كل بطريقته: الأول يحدد الثقافة داخل إطار جامد ومبادئ مطلقة غير قابلة للتغير، وعناصرها ثابتة، وتصلح لكل مكان وزمان، وهي هوية تتعالى على أحداث التاريخ وصيرورته، أي لا تتحول ولا تتبدل ولا تتطور. أما التيار الآخر فهو على النقيض منه حيث يرفض الهوية الثقافية المبنية على أسس ومبادئ التراث، وينظر إليها على أنها هوية جامدة متحجرة ولا أمل في بث الحياة فيها، متبنياً هوية ثقافية عصرية تستمد أسسها من الحضارة الغربية الحديثة المعاصرة. وحسب الشرياني، فإن التيار الثالث يتميز بالعقلانية والنظرة النقدية والواقعية العلمية، ويحاول أن ينتج ثقافة متعددة المناهج منفتحة على الثقافات الأخرى، وتستفيد من نتائج العلوم التجريبية والإنسانية ويعتبرها دواخل مهمة تتغذى منها الثقافة، و«ينظر هذا التيار إلى الهوية كونها هوية مرنة متجددة تتجدد عناصرها حسب التطور ومستجدات العصر مع احتفاظها بخصوصيتها، كما تستوعب ثقافة الأفراد وتوظفها في بناء ثقافة منفتحة».
طباعة