«فريج فلـكلور».. فانتازيا تاريخية وإبهار بصــري

كان كل شيء على غير ما يرام بالنسبة إلى المخرج محمد سعيد حارب، مساء أول من أمس، قبيل العرض الأول لـ «فريج فلكلور»، على خشبة مسرح أرينا في مدينة جميرا في دبي، بعدما تعطلت أجهزة الإضاءة وحدثت أخطاء كثيرة في التمرين المسرحي الأخير قبيل ثلاث ساعات فقط من رفع الستار التي ستكشف عن تجربته الأولى مخرجاً مسرحياً محترفاً، ما دفعه إلى ترك القاعة قاصداً منزله قبل أن يعود ثانية لقيادة طاقم العمل أمام جمهور استحوذ على ثلثي قاعة المسرح الذي يتسع لنحو 1200 شخص.

حالة القلق التي سيطرت على مخرج العمل ـ حسب تصريحه لـ «الإمارات اليوم» ـ لم تبددها المشاهد الأولى، واستمرت حتى اضطره اشتراكه في أحد المشاهد إلى تجاهلها على اثر تصفيق الجمهور، بعدما قرر العجائز الأربع الاستعانة به من أجل التغلب على مشكلة مصيرية واجهتهن في سياق الحدث الدرامي، لتبدأ رحلة مبتكرة في خلط الواقعي بالمتخيل والأسطوري بالتاريخي على نحو «فانتازي»، تظهر فيها الشخصيات المسرحية الحية جنباً إلى جنب، الشخصيات الكرتونية ثلاثية الأبعاد من زاوية للرؤية البصرية، في الوقت نفسه الذي استعين فيه بشاشات سينمائية تنساب في أوقات بعينها، وتسحب في أخرى لتكشف مساحات أعمق في المسرح المعتمد على خلفيات ذات مستويات متعددة.

واستمد حارب عوامل الإبهار البصري والمؤثرات الصوتية والإكسسوارات كلها عوامل استمدها حارب من أدوات المسرح الغنائي، فضلاً عن المجاميع البشرية المدربة تدريباً عالياً على الأداء الجماعي الراقص الذي يخدم سياق الأحداث المبنية على حدث يقود العجائز الأربع «أم سلوم وأم خماس وأم علاوي وأم سعيد»، إلى مغارة مارد يتيح أمامهن الفرصة للإبحار عبر سالف التاريخ بعدما يتمكن من حل لغزه الشعري الذي جوابه «دبي» .

مبرر درامي

ولم تحل البداية الأسطورية من دون الدخول في تجسيد شواهد من حضارات شرقية متعددة، بعد خلق مبرر درامي لها وهو الإبحار إلى عام 738هـ في المغرب والتقاء العجائز بالرحالة العربي الشهير ابن بطوطة، الذي سألهم ما إذا كان التاريخ تذكّر حماره الذي رافقه في رحلات كثيرة، لتجاوبه إحداهن بغمز سياسي ناقد نال استحسان الجمهور بأن «كتب التاريخ ذكرت حميراً وايد، وليس هذا الحمار تحديداً»، ليعرج الحدث بعد ذلك إلى التطرق عبر لوحات مشهدية مفعمة بالحركة المسرحية إلى عرض ملامح من تراث الحضارات التركية والأندلسية والمصرية القديمة والهندية والصينية وغيرها.

كل هذه الرحلات المتخيلة للعجائز الأربع، والتي عرضت خلالها مشاهد حية على المسرح لم تكن مرضية إليهن، ما جعلهن يستعن بحارب الذي أخبرهن بما يشبه كلمة السر أو الجملة السحرية وهي «ماضينا الغالي.. دوماً في بالي» التي جعلت الحضور بفعل تأثير الغرافيك شديد الحرفية ودقة المؤثرات الصوتية والبصرية يشعر بأنه أضحى جالساً على أحد ضفاف شواطئ الإمارات، مستمتعاً بعذوبة أهازيج الغواصين الباحثين عن اللؤلؤ الذي يخبئه المحار مثل «اوه يا مال» و«وداع الله»، ليستكمل حارب المشهد بتصوير طريقة انتظار النساء بشغف وقلق لرجوع رجالهن من تلك الرحلات الخطرة، وما يبدينه من مظاهر فرح بعد عودتهم سالمين.



مفردات تراثية

لصقر والجمل والصحراء والشعر النبطي، كلها مفردات أخرى في مشاهد متتالية أجاد تحريكها حارب، قبل الوصول إلى واحدة من المشاهد العالمية التي شهدها مسرح أرينا في تلك الليلة الافتتاحية، وهي استعراض نادر لجياد يقودها فرسان ملثمون.

ولم يكن جمهور «فريج فلكلور» على يقين تام ما إذا كانت الجياد التي تم استخدامها على المـسرح حقيقيـة أم أنها مطاطيـة تحـرك عن بعـد بحرفيــة شديــدة، بسبب تقديم كل منها عروضاً خاصة شديدة التميز على نحو يشكك بالأساس في كونها جياداً، لاسيما مع طول فترة عروضها.

وذكر حارب أن «الجياد جميعها حقيقية، وأمهرها ثلاثة جلبت خصوصاً للعرض من فرنسا، وخضعت لتدريبات العرض على مدار شهرين»، وأضاف أن «اثنين منها ينتميان للخيول العربية الأصيلة، والثالث (أندلسي)» حسب توصيفه. وتلت المشاهد العالمية ثلاث لوحات راقصـة جمـعت في توقـيت واحد مستثمرة التقسيم الثلاثي للمسرح ما بين فنون اليولة والحربية للرجال ونعش الفتيات، قبل أن تلتحم معها مشهدية أخرى ضمت لوحات رقص عالمي، لتنقلنا الصـورة سريعاً إلى دبي الحاضر وعـلم الإمارات الـذي يرفرف على أرض تلاقي الحضارات دبي، ليختم حارب بأن اللقاء المقبل سيكون من خلال عرض يتتبع رحلات أخرى لا تنتهي «لأن الحلم الذي بدأ على هذه الأرض لا حدود لنهايته أيضاً».

تهانٍ

تلقى محمد سعيد حارب التهاني عقب إسدال عرض «فريج فلكلور»، أولاها كانت ممن تقدموا صفوف الحضور، وزيرة الدولة ريم الهاشمي، ورئيس المجموعة الإعلامية العربية عبد اللطيف الصايغ، ومديرة مؤسسة دبي للمرأة منى المري، ومدير قناة دبي الفضائية عبداللطيف القرقاوي، ومدير شبكة الإذاعة العربية محمود الرشيد، والمدير الفني لمهرجان دبي السينمائي مسعود أمر الله، ومديرة التسويق والعلاقات العامة في «نخيل» الجهة الراعية للحدث بجانب هيئة دبي للثقافة والفنون، منال شاهين، فضلاً عن أفراد عديدين انتظروا بعد العرض من أجل الشد على أيدي حارب والتقاط صور تذكارية مع أبطال المسلسل الكرتوني فريج

 

المختلف

قال المخرج محمد سعيد حارب، عقب العرض لـ «الإمارات اليوم»: «راهنت وجيلي على المختلف وكسر بعض قيود الإبداع وعدم الاستسلام للقوالب الجاهزة، وأعتقد أننا حققنا نجاحاً نسبياً، لكننا لم نستنفد كامل طاقتنا بعد، وأتوقع الاختلاف معي لأن ما تم تقديمه مغاير، فهو ليس مسرحاً يسير في ركب الرحابنة العظام، ولا المسرح الكوميدي الذي تألق فيه المصريون، كما أنه بكل تأكيد ليس مسرحاً كلاسيكياً، وربما ليس مسرحاً على الإطلاق».

وأضاف «أعتقد أن عدم انتماء «فريج فلكلور» لجنس إبداعي صريح دليل فرادة يستمدها من خصوصية ارتباطه بتراث الإمارات، على الرغم من احتفائه بتقاليد صناعة العروض المسرحية المهرجانية العالمية، ما أنتج وليداً جديداً بحاجة إلى رعاية ومزيد من الجمهور كي يبقى معافى».

طباعة