رواية عن التكوين النفسي للجيش الإسرائيلي

الإسرائيليون استفادوا من خبرات المعتقلات الفاشية والنازية. أرشيفية

فسّر الكاتب المصري الأسير السابق لدى الجيش الإسرائيلي محمد حسين يونس العدوان العنيف الذي تتعرض له غزة للاسبوع الثاني بأنه يرجع الى عدم وجود عمق حضاري يجمع الإسرائيليين، وهذا يجعل القتل مبرراً لجيش لا يوحد بين أفراده إلا السلاح، أما الجذور فتتنوع «متنافرة لا أساس يجمعها ولا تكوين» لأن الإسرائيليين ينتمون الى جنسيات وأعراق عدة.

ويصف يونس في روايته التسجيلية «خطوات على الأرض المحبوسة» مشهد وصوله مع آخرين إلى معسكر الأسر، قائلاً إن «الجنود الاسرائيليين كانوا في حالة هياج لا يكفّون عن توجيه السباب والضرب للاسرى الذين سقط مئات منهم منهكين من الإعياء، ثم حذرهم الحرس الذين كانوا «يطلقون الرصاص فوق مستوى الرؤوس الراقدة مباشرة وهم يصيحون.. ناموا كلكم» في ساحة تحيطها كشافات ضخمة من كل الجهات.

ويعلق بطل الرواية «إن الناظر لهذا المنظر يتخيل أنها ابادة جماعية في معسكر من معسكرات النازيين وأن اليهود ينفّسون عن عقدهم القديمة» في اشارة الى المحارق النازية حيث تعرض الخطرون وغير المرغوب فيهم وفي مقدمتهم الشيوعيون واليهود لالوان من التعذيب في معتقلات الزعيم الالماني أدولف هتلر.

وكان الممثل والمخرج السينمائي الرائد شارلي شابلن قال معلقاً على ممارسات اسرائيل تجاه الفلسطينيين ان «السم النازي تسرب من الجلاد الى الضحية»، في اشارة الى انتهاج اليهود أساليب مورست ضدهم في فترات سابقة. وتناول الشاعر المصري الراحل محسن الخياط في مقدمة الرواية «الاستلاب الفكري الذي مارسته قوى الغزو الاسرائيلي على أسرانا في معتقل عتليت فقد استفاد الاسرائيليون الوافدون من كل أنحاء العالم.. استفادوا من خبرات كل المعتقلات الفاشية والنازية. وبعد دراسة لتلك الخبرات توصلوا الى أن التعذيب البدني والتهديد بالابادة الشاملة ليس  كافياً وحده». ويتواصل العدوان الاسرائيلي على غزة منذ 27 ديسمبر الماضي، وسقط في الهجمات مئات الشهداء الفلسطينيين بينهم عدد كبير من المدنيين اضافة الى آلاف الجرحى.

مؤلف الرواية  مهندس مصري التحق بالجيش ثم أصبح الاسير رقم «51763» لدى الجيش الإسرائيلي في حرب حزيران 1967 التي استولت فيها اسرائيل على شبه جزيرة سيناء المصرية وهضبة الجولان السورية وقطاع غزة والضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية الفلسطينية. ويسجل بطل الرواية أن اليهود في أرض فلسطين التاريخية قبل انشاء اسرائيل عام 1948 كانوا «مجموعة من الصهاينة يحاولون عمل وطن قومي لهم يهربون فيه من اضطهاد دول العالم كما يقولون. وفي عام 1956 «حين وقع العدوان الثلاثي على مصر» عرضت اسرائيل نفسها على بريطانيا كأداة لحماية مصالحها في منطقة الشرق الاوسط وتأمين قناة السويس ثم على فرنسا لضرب ثورة الجزائر عن طريق كسر شوكة مصر. أما في عام 1967 فكانت الحرب تتويجاً لخطة أميركية هدفها القضاء على الروح والخط الثوري المتحرر في المنطقة والذي كان يقوده الرئيس المصري الاسبق جمال عبدالناصر لتفرض أميركا ارادتها السياسية والاقتصادية على المنطقة». ويقول إن الانسان حين يصبح وجهاً لوجه أمام الموت يتملكه شعور غير معتاد ويكون سلوكه أكثر اتساقاً مع نفسه وتأخذ الاشياء والرغبات حجمها الطبيعي «حتى الحياة نفسها» تكون هينة.

ويستعرض بعض مشاهد الإهانة حيث جيء بالمجندات من أجل الفرجة على الاسرى «الغريب أن القلوب الرقيقة والعيون الحساسة لم تدمع لسحق الانسان لأخيه الانسان وإذلاله» قبل أن يتم نقل الاسرى في سيارات نقل كبيرة مكشوفة بأسلوب غريب تتداخل فيه السيقان وهي طريقة «يصعب أن تستخدم حتى في شحن الحيوانات» لكن بطل الرواية ينجو من طريقة الشحن هذه حين يناديه أحدهم طالباً الهبوط لركوب حافلة سياحية فاخرة.

وفي الحافلة يقدمون له سجائر ومشروباً كحولياً ثم ينبهه السائق الانيق وهو مهندس أيضاً الى بعض الامور ومنها أن اسرائيل بلد متقدم «ونحن نحب السلام.. نحن لا نريد إلا أن نعيش في أمان فقط» قبل الوصول الى معسكر آخر بدا قائده الابيض «متغطرساً.. كأنه جنرال ألماني نازي».

ويصف معسكر عتليت الذي أعده الإسرائيليون للاسرى المصريين قائلاً إنه قريب من حيفا على شاطئ البحر المتوسط وبناه البريطانيون «أثناء احتلالهم لفلسطين» وسجنوا فيه اليهود الذين تدفقوا على فلسطين لكن «العصابات الصهيونية قامت بمهاجمة المعسكر أكثر من مرة وتهريب اليهود المعتقلين» الى داخل فلسطين ثم تحول المعسكر الى مكان لاستقبال المهاجرين اليهود بعد انشاء اسرائيل لقضاء أشهر عدة يتعلمون فيها اللغة العبرية وبعض المبادئ الخاصة بأهداف قيام الدولة التي تأسست على عجل بمباركة القوى الكبرى التي سارعت الى الاعتراف بها. لكن فترة الاعتقال رغم مرارتها دفعت بطل الرواية للتفكير واعادة النظر في كثير من الامور التي تتجاوز المأساة الشخصية ومنها مثلاً «لماذا تقدم أميركا لنا القمح والجبن وتقدم لاسرائيل المفاعل الذري»، تقع الرواية الصادرة عن دار الشروق المصرية في 382 صفحة متوسطة القطع.

 
طباعة