كريمة الشوملي تُحوّل الأقمشة التراثية إلى مجسمات منحوتة

مبدعة إماراتية تُحيي نساء البراقع بـ «أرشيف للذاكرة»

كريمة الشوملي أمام أحد أعمالها في معرضها بدبي. تصوير: إبراهيم صادق

من البرقع إلى القماش والزخارف، تستعيد الفنانة الإماراتية كريمة الشوملي مفردات ارتبطت بحياة النساء اليومية لتمنحها بُعداً جديداً، فتخرج الأشياء من وظيفتها الأولى وتتحول إلى مجسمات حاملة للذاكرة الشخصية والجماعية، وتتقاطع فيها الأنوثة مع الهوية والتحول الاجتماعي، إذ تنقل الأقمشة من هشاشتها المألوفة إلى صلابة المعدن، وتُحوّل تفاصيل الحياة اليومية إلى منحوتات مثقلة بالذاكرة، لذا تبدو أعمالها كأرشيف حي للمرأة الإماراتية. وبين طية قماش وأثر خيط، تؤكد الفنانة من خلال المجسمات التي تقدمها، أن التراث ليس ما يتم الاحتفاظ به فحسب، وإنما ما تتم مواصلة حمله ومنحه شكلاً جديداً في كل مرة.

وقدمت كريمة الشوملي من خلال أعمالها المعروضة في «ليلى هيلر غاليري» بدبي تحت عنوان «بين طية وذاكرة»، التراث بوصفه كائناً متحولاً، وليس صورة ثابتة للماضي، إذ تبدو الذاكرة قابلة للذوبان وإعادة التشكل. كما يحضر البرقع في الأعمال بشكل قابل للذوبان أيضاً، كما لو أن الذاكرة نفسها تتشكل من جديد، بينما تستعيد إيقاع العمل النسائي الصامت، فتستحضر أيدي النساء اللواتي نفّذن البراقع، وجعلن من الحرفة جزءاً من الاقتصاد المحلي وذاكرة البيت.

أقمشة تختفي

وقالت كريمة الشوملي في مستهل حوارها مع «الإمارات اليوم»: «تقدم أعمالي التراث والثقافة الشعبية للمرأة الإماراتية، انطلاقاً من اهتمام المرأة بجمالها ولبسها، لذا تناولت الأقمشة التقليدية المتعارف عليها في التراث، وأميل إلى تقديم التراث بنوع من الحداثة بعيداً عن الشكل التقليدي، لأنني أرى ما خلف المعنى، وذلك من خلال البحث الذي يسبق إنجاز أي عمل فني».

وأضافت: «عندما بدأت بالبحث عن الأقمشة الإماراتية التقليدية، وجدت أن هناك مجموعة منها بدأت تختفي من الأسواق، وهناك تركيز على أنواع محدودة منها. ومن هنا بدأت بتحضير أرشيف بصري فني من خلال المنحوتات المعدنية الثقيلة، كي تكون موجودة في الذاكرة الحالية والمستقبلية».

وأشارت إلى أنه من المتعارف عليه أن الأقمشة خفيفة ومرنة، ولكن عندما تتحول إلى منحوتات ثقيلة سترسخ في الذاكرة، بينما حرصت في الصور الفوتوغرافية على إيجاد طبعات الأقمشة والبرقع، وعكست الصور ممارسات يومية حديثة، سواء الإمساك بـ«الآي باد» أو حقيبة السفر أو حتى الذهاب إلى «الجيم»، وهذه كلها ممارسات لم تكن موجودة لدى الجدات، وهذا ما يجعل الرسالة موجهة للجيل الجديد للتعرف إلى الأقمشة التقليدية، لافتة إلى أن الأقمشة هذه تستخدم لصناعة «الجلابيات» و«الكنادير»، وعندما تتحول إلى شيء صلب تطرح مفهوماً مختلفاً، ليرى المشاهد ما هو مغاير للواقع.

قطعة خاصة

ويحضر البرقع في أعمال الفنانة كذاكرة، إذ أمضت أكثر من خمس سنوات في الأبحاث الخاصة بهذه القطعة وما تحمله من معانٍ. فالناس ينظرون إلى البرقع على أنه مجرد قطعة تُرتدى على الوجه، بينما هي في الواقع تعبر عن كثير من القصص والطقوس والممارسات، وكذلك تحمل نوعاً من الخصوصية للمرأة التي ترتديه.

وأكدت الفنانة أن البرقع يحمل الكثير من المعاني المرتبطة بالمجتمع وهوية المرأة الإماراتية. وشرحت تفاصيل العمل الذي يذوب فيه البرقع بالماء، إذ إنها صبغته بمادة النيل، وعندما وضعته في الماء وبدأ بالذوبان، شعرت بالحزن، لأن تلك العملية تشير إلى اختفاء ممارسة لبس البرقع، لاسيما أنها باتت قليلة، ومقتصرة على تقديمه على شكل إكسسوارات أو رسمه على الأقمشة أو تقديمه في الاحتفالات الوطنية والتراثية. ونوهت بأن صناعة البراقع والخياطة كانت مهنة تقوم بها النساء لمساعدة الأسرة، إذ إن المرأة فضلاً عن واجباتها المنزلية، كانت تسعى إلى تحصيل دخل مادي من خلال تلك المهنة التقليدية.

زمن التحولات

ورغم هذا العصر الذي يشهد تحولات سريعة، فإن فاطمة الشوملي رأت أن هناك حنيناً جارفاً لتلك الأيام الخوالي وللماضي، وهذا ما يبرز على نحو كبير في منصات وسائل التواصل الاجتماعي، مضيفة: «الذاكرة تكون حاضرة وفق ما يعيشه المرء، والمعارف تنتقل على نحو شفهي أو من خلال التوثيق، والفن يلعب دوراً كبيراً في الحفاظ على الذاكرة والمعارف، مع الابتعاد عن تسجيل الواقع بشكل مباشر، وإنما تقديم رؤية بصرية قادرة على لفت الانتباه والبقاء».

وكشفت عن أنها خلال بحثها لتوثيق الأقمشة قابلت سيدات وسافرت إلى الهند والتقت تجاراً، لأنها كانت ترغب في التعرف إلى الطقوس والمسميات والدلالات الخاصة بالأقمشة، إذ إنها كأكاديمية تربط البحث بعملها، لاسيما أن البحث يفتح للفنان آفاقاً واسعة للإبداع وتقديم أفكار جديدة.


أثرها دائم

قالت الفنانة كريمة الشوملي إن المرأة الإماراتية تبرز كأثر وليس بشكل مباشر في إبداعاتها، موضحة أن الحرص على حضور المرأة الدائم في أعمالها نابع من اكتشافها الغنى الثقافي والتراثي لديها، إذ أجرت 54 مقابلة مع نساء، ولاحظت وجود كنز من المعلومات لديهن لا يمكن تحصيله من الكتب.

وأضافت أنها أنجزت مجسمات من السيراميك لسيدات يرتدين البرقع، كنوع من الامتنان للواتي قابلتهن. وتمنت أن يبقى احترام الثقافة المحلية في ذاكرة النساء والأجيال الجديدة، معربة عن حزنها عندما ترى الطرق الخطأ التي يتم بها ارتداء ما يرتبط بالثقافة المحلية والتراث الإماراتي، لذا تحرص على تصحيح المعلومات أو الممارسات الخطأ لدى الجنسيات الأخرى.

كريمة الشوملي:

• أميل إلى تقديم التراث بنوع من الحداثة، بعيداً عن الشكل التقليدي، لأنني أرى ما خلف المعنى.

• البرقع يعبر عن كثير من القصص والطقوس والممارسات، وكذلك يحمل نوعاً من الخصوصية.

تويتر