راشد علي النهم بدأ رحلة جمع المقتنيات من بيوت الأسرة وامتدت إلى أهل كلباء
مواطن يحوّل شغفه بالزمن الجميل إلى متحف: أحافظ على جزء من ذاكرة الوطن
لم يكن جمع المقتنيات التراثية بالنسبة إلى المواطن راشد علي النهم مجرد هواية أو شغف بجمع الأشياء القديمة، بل ارتبط لديه بذكريات الطفولة، وبحياة عاشها الآباء والأجداد في كلباء بين النخيل والمزارع والبحر. ومن هذا الارتباط بدأت الحكاية قبل أربعة عقود، حين شرع النهم في جمع المقتنيات التي كانت جزءاً من حياة أسرته وأهالي مدينته، قبل أن تتحول المجموعة، بعد سنوات، إلى متحف يحتفظ بذاكرة المكان، ويوثق تفاصيل من الحياة الإماراتية القديمة.
وقال النهم لـ«الإمارات اليوم»: إن «طبيعة حياتنا القديمة هي التي جعلتني أتمسك بهذا التراث وأحافظ عليه.. عشنا في القيظ وفي النخيل، وكنا نقضي أربعة إلى خمسة أشهر في البحر، وهذه الحياة جعلتني أحرص على أن يكون لدي متحف يصون هذه المقتنيات».
ولم تقتصر رحلة الجمع على مقتنيات الأسرة، إذ امتدت إلى بيوت أهل كلباء، فكان النهم يبحث عن القطع التي لم تكن موجودة لديه عند الجيران والعائلات، مدركاً أن كل قطعة يمكن أن تحمل جانباً من قصة المدينة، مشيراً إلى أن نحو 85% من المقتنيات تعود إلى أسرته، فيما ترجع النسبة المتبقية إلى عائلات أخرى في مدينته، موضحاً: «لم أكن أجمع القطع لمجرد الجمع، وإنما كنت أريد أن أحافظ على ذاكرة أهل كلباء، لأن كل قطعة لها قصة ولها تاريخ، وبعضها مرتبط بعائلة أو مهنة أو جانب من جوانب الحياة القديمة».
بداية الحكاية
بدأ النهم رحلته مع هوايته الجميلة عام 1985، لتتحول المجموعة من مقتنيات شخصية إلى ذاكرة مشتركة للمدينة، ومتحف خاص، مشدداً على أن أهميته تتجاوز عرض القطع القديمة، فهو يريد أن يرى الجيل الجديد كيف عاش الآباء والأجداد، وكيف كانت تفاصيل حياتهم اليومية، وأن يعرف أن وراء كل أداة أو إناء أو قطعة سلاح حكاية إنسان ومهنة ومكان: «القطعة ليست مجرد غرض قديم، إذ إن لها تاريخاً وماضياً، وقد تكون خاصة بعائلة أو مرتبطة بمهنة أو بطريقة حياة معينة».
وينطلق النهم من أن المحافظة على هذا التراث مسؤولية وطنية، لاسيما مع تغير أنماط الحياة واختفاء كثير من الأدوات والمهن التي كانت حاضرة في حياة الإماراتيين قديماً. وقال: «أعتبر المحافظة على التراث واجباً وطنياً قبل أن تكون هواية شخصية، وإذا لم نحافظ عليه اليوم، فقد لا يعرف الجيل المقبل كيف عاش آباؤنا وأجدادنا، وكيف كانوا يزرعون ويغوصون ويطبخون ويعملون ويجتمعون في المجالس».
كما لا يتوقف دور المتحف عند حفظ المقتنيات، إذ أصبح مساحة للتعريف بالسنع وآداب المجالس والتقاليد الإماراتية، ويستقبل طلاب المدارس والجامعات والأندية، ويقدم صاحبه جلسات ومحاضرات في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية.
ويهدف من ذلك إلى تحويل المقتنيات من أشياء محفوظة إلى وسيلة حية للتعلم والتواصل مع الماضي، وتعريف الأجيال الجديدة بقيم المجتمع الإماراتي وعاداته وتقاليده.
جوانب متعددة
ومع مرور السنوات، اتسعت المجموعة لتضم نحو 2000 قطعة تراثية موزعة على ثماني غرف، وتغطي جوانب متعددة من الحياة الإماراتية، من البحر والغوص إلى الزراعة والطبخ والحياة المنزلية والأسلحة، ومعظم المقتنيات إماراتية، كما يشرح النهم، إذ كانت مستخدمة ومتداولة في الدولة.
وتضم غرفة الأسلحة البنادق والسيوف والخناجر والسكاكين والرماح وغيرها من الأسلحة التراثية، بينها أسلحة دفاعية يعود عمر بعضها إلى نحو 500 عام، إضافة إلى ثلاث بنادق من أشهر البنادق المعروفة في الإمارات، يراوح عمرها بين 70 و90 عاماً.
أما غرفة الفخاريات، فتضم الدلال والصحون والقدور وغيرها، ويعود عمر بعض تلك القطع إلى أكثر من 300 عام.
وأوضح النهم: «كانت مهرسة القمح تستخدم لإعداد الهريس، وكانت البرمة تستخدم للطبخ وحفظ السوائل، وهذه الأدوات كلها كانت جزءاً من حياة أهل الإمارات قديماً».
غرفة خاصة
وتحضر الحياة الزراعية في المتحف من خلال غرفة خاصة بأدوات الزراعة، وهي مقتنيات ورثها النهم عن والده، رحمه الله، وكانت تستخدم في مزرعة الأسرة، ومن أبرزها الدلو والمنشار والهياسة المستخدمة في حراثة الأرض، والمسحاة والشيول، ويعود عمر بعضها إلى أكثر من 60 عاماً. كما تضم المقتنيات الأواني والصحون وأدوات الطبخ، ومطاحن القهوة والمكاوي، ووسائل الإنارة القديمة التي كانت تعتمد على الجاز والفتيلة، إلى جانب أدوات الحجامة والوسم والأدوية الشعبية والموازين. فيما يحضر البحر من خلال ملابس الغوص وميزان اللؤلؤ وأدوات الطواش، وكل ما ارتبط بهذه المهنة، إضافة إلى أدوات السقي والري المستخدمة في المزارع.
ولم يعد المتحف شأناً عائلياً أو محلياً فقط، إذ يستقبل زواراً من دول العالم، من أميركا وأوروبا وآسيا وإفريقيا، إلى جانب المؤسسات الحكومية في الدولة، ويتجاوز عدد الزوار في بعض الأشهر الـ2000، وفي فترات مختلفة 10 آلاف زائر وربما أكثر، حسب مؤسس المتحف، الذي أكد أن هذا الإقبال يمنحه دافعاً أكبر للاستمرار في المحافظة على المقتنيات وتعريف الزوار بقيمتها.
وتابع بفخر: «أنا لا أحافظ على قطع قديمة فقط، وإنما أحافظ على ذاكرة أهل كلباء، وعلى جزء من ذاكرة الإمارات، وأتمنى أن تبقى هذه الذاكرة موجودة، وأن ننقلها من جيل إلى جيل».
إبقاء الماضي حيّاً

في متحف راشد النهم في كلباء، تتحول قطعة الفخار إلى حكاية بيت، وأداة الزراعة إلى ذاكرة مزرعة، وملابس الغوص إلى قصة بحر، والسلاح القديم إلى شاهد على زمن مضى. وبذلك أصبح المتحف أكثر من مكان لحفظ المقتنيات؛ إنه تجربة شخصية تحولت إلى رسالة لإبقاء فصول من ماضي الوطن حاضرة في وجدان الأجيال المقبلة.
راشد علي النهم:
. كل قطعة لها قصة ولها تاريخ، وبعضها مرتبط بعائلة أو مهنة أو جانب من جوانب الحياة القديمة.
. أعتبر المحافظة على التراث واجباً وطنياً قبل أن تكون هواية شخصية.. وأتمنى نقله من جيل إلى جيل.
. 2000 قطعة تراثية موزعة على ثماني غرف بين جنبات المتحف.
. 1985 بدأ النهم حكايته مع جمع المقتنيات التراثية وأدوات الماضي.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news