الفنان السوري يستكشف الذاكرة والتهجير في معرضه بـ «ليلى هيلر غاليري»

دبي تحتضن «أصداء الأجراس الصامتة».. كيفورك مراد يرسم ما تركه الغياب

مراد يُشيّد عوالم بصرية تذوب فيها العمارة والشخصيات والأبنية. من المصدر

من خلال اللوحات والمنحوتات والتركيبات الفنية، يستكشف الفنان السوري كيفورك مراد، الذاكرة والتهجير والبنية العاطفية للتاريخ في معرضه «أصداء الأجراس الصامتة» في «ليلى هيلر غاليري». ويقدم الفنان سرديات بصرية متعددة الطبقات، يتتبع من خلالها التقاطعات بين الذاكرة الشخصية والهوية الثقافية الجماعية، مشيّداً عوالم بصرية تذوب فيها العمارة والشخصيات والأبنية، عبر إيقاعات خطية متعددة، لتبدو وكأنها توثيق عاطفي لإرث ثقافي يسعى إلى حفظه.

لا تظهر الذاكرة في أعمال مراد بوصفها أرشيفاً للماضي، بل تبدو وكأنها كائن حي يتبدل مع مرور الزمن ويحمل آثار الفقد والاقتلاع، فهو لا يصور الأماكن بقدر ما يعيد بناء حضورها من خلال تكوينات قائمة على الخطوط والتفاصيل والفراغات والأشكال الهندسية التي تحول التجربة الشخصية، وحتى الجمعية، إلى لغة بصرية تتجاوز حدود الجغرافيا. ويحتل التكوين المعماري حيزاً بارزاً في أعمال مراد، سواء في اللوحات أو الأعمال التركيبية، غير أن العمارة والمدن لا تظهر بوصفها كتلًا بنيوية بقدر ما تبدو كآثار يتتبعها الفنان عبر اللون.

وتحتل الخطوط في أعمال مراد مكانة مركزية، فهي تتجرد من كونها عنصراً تشكيلياً فحسب، لتكتسب أدواراً متعددة تجعل منها لغة قائمة بذاتها وإيقاعاً بصرياً خاصاً. فالخطوط المتشابكة تحول العمل إلى ما يشبه السيمفونية البصرية، لاسيما أن الفنان يستلهم من التقاليد الموسيقية والتاريخ الشفوي للشرق الأوسط وأرمينيا، ما يجعل بعض تركيباته تبدو وكأنها نوتات موسيقية أو خطوط متعرجة تتحرك في فضاء العمل.

كما يعتمد مراد على تقنيات القص اليدوي وبناء الطبقات، مستخدماً الأقمشة المقطوعة يدوياً، والأقمشة متعددة الطبقات، وأقمشة الدنيم المعاد تدويرها في أعماله التركيبية، وتتيح له هذه التقنيات توسيع نطاق الرسم ليشمل الفضاء المادي، بحيث تتحول الظلال والفراغات إلى عناصر فاعلة في العمل الفني. وكذلك تكتسب الانقطاعات البصرية بعداً عاطفياً، إذ تشير إلى الاستمرارية والفقد، وإلى ما يبقى مرئياً وما يتوارى عن الأنظار.

ويسلط مراد الضوء في معرضه على اهتمامه الراسخ بسرد القصص بوصفه فعلاً جماعياً وحسياً، وبدلاً من تقديم التاريخ على نحو جامد، تشكل أعماله دعوة إلى عوالم عاطفية غامرة تتكون من الذاكرة والأساطير والخيال. ويتجلى ذلك في الأعمال المستلهمة من التراث الأدبي مثل «كليلة ودمنة» الذي يستخدمه الفنان جسراً بين الماضي والحاضر، مستعيداً الحكاية بوصفها وسيلة لحفظ الذاكرة وإعادة صياغة علاقتنا بالتاريخ.

ينظر مراد إلى الفن بوصفه وسيلة لحفظ تاريخ مهدد بالزوال وذاكرة ثقافية غير مادية، فيسلط المعرض الضوء على دور الفن في نقل التاريخ إلى المستقبل، وتحويل المشاعر الثقيلة مثل الصمت والتهجير والفقدان، إلى مساحات للتأمل والتواصل.

تكمن قوة تجربة مراد في تعامله مع الفن بوصفه فعلاً لمقاومة النسيان. فأعماله لا تقدم إجابات نهائية عن الفقد، بل تسعى إلى التعامل مع الماضي من خلال مسارات أخرى تقوم على حفظ الذاكرة، وإعادة تخيلها ومنحها حياة جديدة. فالذاكرة في تجربته ليست صورة ثابتة لما مضى، وإنما عملية مستمرة من الترميم وإعادة البناء.


مساحة تتداخل فيها الإبداعات

تشكل أعمال الفنان كيفورك مراد مساحة تلتقي فيها الفنون البصرية بالموسيقى والأداء والسرد، فالخطوط تتحول إلى أصوات والفراغات إلى ذاكرة، والصمت إلى حكاية مفتوحة على التأويل. ومن هذا التداخل تستمد لغة مراد البصرية قدرتها على استحضار الأماكن والتواريخ المنسية، وإعادة طرحها أمام الحاضر بوصفها ذاكرة حية لاتزال قابلة للقراءة وإعادة الاكتشاف.

تويتر