فنانة إماراتية تمزج بين الهوية المحلية وروح كرة القدم في مشروع بصري

من السدو إلى منصات «إي سي ميلان».. فاطمة الكعبي تعيد رسم التراث بلغة التصميم المعاصر

صورة

بين الجداريات والتصميم الغرافيكي، تنسج الفنانة الإماراتية، فاطمة الكعبي، المعروفة بلقب «فَي»، رؤيتها الخاصة بالفن، وهي رؤية تجمع بين التراث والهوية المعاصرة، وتستند إلى حسّ سردي يجعل من كل عمل بصري حكاية متكاملة، تستلهم الكعبي أعمالها من التفاصيل اليومية، ومن الذاكرة الشخصية، إلى جانب الإرث المحلي لدولة الإمارات، ما يمنح مشاريعها بعداً إنسانياً عميقاً يتجاوز الشكل إلى المعنى.

ومن خيوط السدو التي حفظت ذاكرة الصحراء، إلى منصات أحد أعرق أندية كرة القدم في العالم، نسجت الفنانة عملاً بصرياً يحتفي بالانتماء والتواصل، ويتجاوز حدود الجغرافيا والثقافات، وقد حمل هذا المشروع مفهوماً عميقاً للإرث المحلي، مقدّماً حكاية بصرية غنية بالرموز والدلالات، تعكس تلاقي التراث بالإبداع المعاصر.

سرد قصصي

واستهلت فاطمة الكعبي حديثها مع «الإمارات اليوم» بالحديث عن رؤيتها في عالم الفنون، قائلة: «حصلت على البكالوريوس في الفنون الجميلة في تخصص التصميم الغرافيكي، وما أراه مهماً في التصميم هو السرد القصصي، أي أن يحمل العمل معنى وطبقات متعددة من الدلالات، لأنني أعمل على ربط الفن بالتصميم»، وأضافت أن مشاريعها تتنوع بين التصميم والجداريات، ويمنحها هذا التنوع مساحات مختلفة للتعبير الفني والتجريب البصري.

وأشارت الكعبي إلى تعاونها مع هيئة الثقافة والفنون في دبي ضمن حملة «العيد في دبي»، التي تندرج تحت مظلة موسم «الولفة»، وبالشراكة مع نادي «إي سي ميلان»، حيث عُرض التصميم على منصات النادي، موضحة أن فكرة العمل انطلقت من محاولة إيجاد نقاط التقاء بين هوية «الروسونيري» وفنون السدو المدرج على قائمة «اليونسكو» للتراث الثقافي غير المادي، في صياغة بصرية تعكس التلاقي بين التراث والإبداع المعاصر.

تشابه بصري

وقالت الكعبي: «استوحيت العمل من هوية النادي ومن فنون السدو، فوجدت أن هناك تشابهاً بصرياً بين الخطوط العمودية الحمراء والسوداء في هوية النادي وألوان السدو الإماراتي»، وتضيف أنها، خلال تعمقها في البحث، اكتشفت بُعداً تاريخياً أعمق، إذ ارتبط مؤسس النادي بعالم النسيج والحرف اليدوية، ما عزّز الفكرة التي بنت عليها المشروع، وتؤكد أن السدو ليس مجرد نسيج زخرفي، بل حرفة تحمل ذاكرة ثقافية تمثل الربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

وذكرت الكعبي أن مشروعها استند أيضاً إلى فكرة «التجمع»، إذ تخيلت أشخاصاً يجتمعون لمشاهدة مباراة كرة قدم، يتبادلون القهوة والأحاديث، ويحتفلون معاً، في مشهد يعكس روح الانتماء المشترك. كما ربطت هذه الفكرة بمناسبة عيد الأضحى باعتبارها لحظة تجمُّع وتآلف، تشبه في جوهرها كرة القدم التي توحّد الجماهير حول شغف واحد.

بحث وتخطيط

وحول مدة التنفيذ، أشارت إلى أن إنجاز التصميم استغرق أسبوعاً واحداً، بينما استغرق البحث والتخطيط وقتاً أطول بكثير، حيث بدأت بفهم تاريخ السدو أولاً، ثم انتقلت إلى تحليل رموزه البصرية، وإعادة تقديمها بصياغة رقمية معاصرة، وتوضح أن العملية كانت مرهقة من الناحية التقنية، إذ تطلبت ترتيب آلاف العناصر والمربعات يدوياً لضمان التناسق والدقة في المحاذاة.

ورأت الكعبي أن أفضل طريقة للحفاظ على الحرف التقليدية، مثل السدو، لا تكون فقط بعرضها، بل بفهمها بعمق: كيف صُنعت، ولماذا وُجدت، وما الذي تمثله؟ وتؤكد أنه عند إدراك جوهر الحرفة يمكن إعادة تقديمها بوسائط حديثة دون فقدان روحها الأصلية، معتبرة أن التحديث في الشكل ممكن، لكن الحفاظ على الجوهر ضروري لأنه جزء من الهوية الثقافية.

ولفتت إلى أنها لم تتعرف إلى فن السدو إلا خلال دراستها الجامعية، لكنها اليوم قادرة على تقديمه لجيل جديد ربما لا يعرف عنه الكثير، ليصبح الفن وسيلة لربط الناس بثقافتهم وببعضهم بعضاً. وتضيف أنها عملت على تحقيق توازن دقيق بين هوية النادي، ومفهوم العيد، والتراث الإماراتي، دون أن يطغى أي عنصر على الآخر، مع التركيز على فكرة العائلة والشكل الدائري الذي يرمز إلى الاجتماع والوحدة، إلى جانب الهلال كرمز بصري مكمل.

تحديات تقنية

وأضافت أنها واجهت بعض التحديات التقنية أثناء العمل على الرسوم المتحركة، حيث تعطلت بعض الملفات، واضطرت إلى البحث عن حلول واستعادة العمل وإعادة تنظيمه. ومع ذلك، ترى أن النتيجة النهائية كانت تستحق الجهد المبذول، لأنها حملت المعنى الذي سعت إليه منذ البداية.

واختتمت الكعبي بالإشارة إلى إيمانها بأن الفن موجّه للجميع، وليس حكراً على فئة معينة، وتؤكد قدرته على إزالة الحواجز بين الثقافات، وفتح مساحات مشتركة للحوار والتفاهم.


ذكرى جدتي

قالت الفنانة فاطمة الكعبي إنها تأثرت كثيراً بجدتها، وقدمت أعمالًا فنية تحمل رموزاً مرتبطة بها، خصوصاً الجداريات، وأوضحت أن رحيل جدتها، قبل أشهر عدة، كشف لها حجم حضورها العميق في تفاصيل حياتها اليومية، وهو ما لم تكن تدركه سابقاً.

وأضافت أن الفن أصبح وسيلة للتعبير عن هذا الغياب وملء الفراغ الذي تركته، إضافة إلى توثيق الذكريات المرتبطة بها، وتابعت أن رموزاً، مثل الفنجان والنجوم والنخلة، تتكرر في أعمالها لأنها مرتبطة بالعائلة والقِيَم التي اكتسبتها من جدتها، لتتحول أعمالها إلى مساحة تحفظ الذاكرة وتعيد إحياءها بصرياً.

فاطمة الكعبي:

. أفضل طريقة للحفاظ على الحِرَف التقليدية لا تكون فقط بعرضها، بل بفهمها بعمق: كيف صُنعت، ولماذا وُجدت، وما الذي تمثّله؟

. وجدتُ أن هناك تشابهاً بصرياً بين الخطوط العمودية الحمراء والسوداء في هوية النادي وألوان السدو الإماراتي.

تويتر