دبي تدعم «صُنّاع المحتوى الثقافي» بأدوات السرد الرقمي وتقنيات الذكاء الاصطناعي
صُنّاع محتوى: المنصات الرقمية أداة مؤثرة لنقل الهوية وتوثيق الذاكرة
أكد مشاركون في المرحلة الثالثة من برنامج «صُنّاع محتوى دبي» أن مستقبل صناعة المحتوى الرقمي يتطلب تجاوز سباق المشاهدات، والانتقال إلى إنتاج مواد تحمل قيمة معرفية وثقافية قادرة على ترك أثر حقيقي لدى الجمهور، مشددين على أن المنصات الرقمية باتت أداة مؤثرة لنقل الهوية، وتوثيق الذاكرة، وتعريف العالم بالقصص المحلية بأساليب مبتكرة.
وأوضح مشاركون لـ«الإمارات اليوم» أن التجربة لا تقتصر على تطوير المهارات التقنية، بل تفتح المجال أمام بناء جيل جديد من صُنّاع المحتوى، يمتلك القدرة على البحث، والتوثيق، وتحويل المعرفة إلى سرد بصري جذاب، مؤكدين أن المحتوى الهادف يحتاج إلى الجمع بين عمق المضمون، وجودة التقديم، للوصول إلى جمهور واسع، إذ لم تعد صناعة المحتوى الرقمي اليوم معركة على المشاهدات فقط، بل أصبحت ساحة لصناعة الوعي، وبناء الصورة الثقافية للمجتمعات. ومن هذا المنطلق جاء إطلاق المرحلة الثالثة من برنامج «صُنّاع محتوى دبي» مشروعاً نوعياً يستجيب لتحولات المشهد الرقمي، ويعيد تعريف دور صانع المحتوى بعيداً عن أنماط الانتشار السريع والمحتوى الاستهلاكي، نحو تجربة تقوم على المعرفة، والتوثيق، وتعزيز الهوية.
ومن خلال شراكة بين نادي دبي للصحافة وهيئة الثقافة والفنون في دبي، يضع البرنامج هدفاً واضحاً يتمثّل في تمكين جيل جديد من صُنّاع المحتوى القادرين على تحويل ثراء الثقافة الإماراتية وقصصها الإنسانية والتاريخية إلى مواد رقمية مبتكرة تصل إلى الجمهور محلياً وعالمياً، وتجمع آراء القائمين على المبادرة والخبراء والمشاركين على أن المرحلة المقبلة من المحتوى الرقمي تتطلب تجاوز فكرة الانتشار المجرد، والانتقال إلى صناعة تأثير حقيقي، يستند إلى المصداقية، وجودة السرد، والقدرة على استخدام الأدوات التقنية الحديثة، وتأسيس جيل جديد من صُنّاع المحتوى المسؤول الذي يوازن بين الوعي الثقافي والمعرفي، عبر تزويدهم بأدوات احترافية في مجالات متخصصة عدة، لسرد وتوثيق الهوية الثقافية الإماراتية، ونقلها للعالم، وتعزيز قدرتهم على إنتاج محتوى نوعي، يعكس هوية دبي وقيمها الرفيعة ومشهدها الثقافي والإبداعي الثري والمتنوع.
الفضاء الرقمي
وقالت مديرة نادي دبي للصحافة، مريم الملا: «نهدف إلى تمكين الكوادر الشابة من إنتاج محتوى نوعي يبرز هوية دبي، ويروي قصصها المتجددة، عبر تسليحهم بأدوات السرد، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، لتقديم أوجه الموروث الإماراتي الغني بالتجارب والقصص، من آثار ولهجة وأزياء، وذلك، بقوالب فريدة ومبتكرة»، وأوضحت الملا، أن البرنامج الذي يقام في رحاب «متحف الاتحاد» اعتباراً لرمزيته الوطنية، يستقطب 35 منتسباً، ويقدم على مدار أسبوعين متواصلين 40 ساعة تدريبية يشارك فيها خبراء محليون ودوليون، مضيفة: «وقع اختيارنا على مواهب تمتلك خلفية ثقافية رصينة، لتسليط الضوء عليهم بديلاً نوعياً لنمط مشاهير (السوشيال ميديا) المعتاد، ونرافقهم في هذا المشوار خطوة بخطوة عبر توجيه مباشر من خبراء ومتخصصين، لضمان استدامة أثرهم الرقمي». وأشارت إلى عقد جلسات مفتوحة مع مسؤولي «دبي للثقافة»، لرفد المتدربين بالمعلومات الموثوقة، مؤكدة اهتمامهم «بتأسيس صُنّاع ثقافة ووعي، لبناء محتوى هادف يصل إلى الجمهور سريعاً، ويحقق الاستفادة المرجوة».
خدمة المضمون
في الجانب العملي الداعم والمُكرّس لهذه الرؤية، فككت مدير تطوير الأعمال في شركة «ميديا كاست»، آلاء نوار، تساؤلاتنا حول قدرة صُنّاع المحتوى على النفاذ إلى العمق الثقافي اليوم، قائلة: «لم يعد الجمهور يعتمد اليوم حصراً على المصادر التقليدية، بل أصبح الفضاء الرقمي نافذة رئيسة لاستقاء المعرفة في مجالات عدة، كالسفر والطب والتاريخ وغيرها الكثير، إذ بات الكثيرون يبسطون محتوى الكتب التاريخية، لتسهيل وصولها للمتلقي الحديث»، وحول الشراكة الاستراتيجية الممتدة ثلاث سنوات مع النادي، أوضحت نوار، أن دورهم يتركز في سد الفجوة التقنية، قائلة: «بصفتنا الموزع الأساسي لأكثر من 70 علامة تجارية نخدم بها منطقة الشرق الأوسط عموماً، فنحن نقدم للمنتسبين تدريباً عملياً يبتعد عن التنظير، عبر توفير أحدث معدات التصوير والصوت، وتدريبهم على تقنيات المونتاج المتقدمة، لتمكينهم من صناعة مادة متكاملة جاهزة للنشر، تتمتع بمعايير جودة احترافية»، وأضافت «نمتلك حضارة عربية غنية، وهدفنا الارتقاء بالمستوى الفني للمحتوى، ليكون موازياً لعمق المضمون الثقافي المحلي والعربي الذي نطمح إلى ترسيخه عالمياً».
مساحات ثقافية جديدة
على الصعيد الميداني، تجلت طموحات الشباب الإماراتي المشارك في تجربة «صُنّاع المحتوى الثقافي» في نقل المحتوى من دائرة الاستهلاك اللحظي إلى عوالم التأثير المستدام، الذي برز فيه بوضوح ودقة لا متناهية، مشروع الإماراتي، فارس الكعبي، الشاب الشغوف بالتعليق الصوتي، الذي يسعى من خلال التحاقه بالبرنامج، إلى توظيف التدريب في تعميق قدراته البحثية، موضحاً ذلك بقوله: «أسعى إلى استكشاف مساحات ثقافية جديدة، وتسليط الضوء على الجوانب المعرفية في الدولة، لتقديمها استناداً إلى دراسات وحقائق موثوقة»، واستلهم الكعبي في هذا الإطار مقولة الكاتب الأمريكي جوزيف فورت نيوتن، القائلة: «يبني البشر الكثير من الجدران، والقليل من الجسور»، مؤكداً «الثقافة لغة عالمية عابرة للحدود تفهمها الشعوب من دون لغة عبر المتاحف والمعارض، والفن والإبداع، وهنا يكمن هدفي في بناء جسور التواصل المعرفي بين مختلف الثقافات، وإزالة الحواجز، لتقديم مادة معرفية وثقافية قيّمة تصل إلى المواطن والمقيم على حد سواء».
كنوز الذاكرة العمرانية
من جهته، ومن زاوية توثيق قصص الأماكن وتاريخها، يسعى محمد خليفة الكعبي، الذي انتقل من دراسة القانون إلى الاهتمام بتوثيق العمارة في منطقة حتا، لتحويل أبحاثه إلى محتوى مرئي فريد وفاعل، موضحاً دوافعه الأساسية لدخول الفضاء الرقمي بالقول: «أمتلك قاعدة بيانات وصوراً حول بيوت المزارع ذات التصميم المشترك التي بُنيت في عهد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، ولأن هذه الذاكرة العمرانية أعتبرها كنزاً عمرانياً وإنسانيا وحضارياً نفيساً في طريقها للاندثار، وجدتُ نفسي مجبراً على استخدام المنصات الرقمية، لإيصال هذه القصص المفقودة لجمهور أوسع، وتتمحور رسالتي حول العمارة، باعتبارها انعكاساً للإنسان وأثره، وسيوفر لي البرنامج الأدوات الاحترافية التي أحتاج إليها لتقديم هذه الرسائل بقالب مرئي قادر على جذب المتلقي».
تحديات وأثر
على صعيد المحتوى الأدبي، يقدم صانع المحتوى، محمد عبدالله قاسم، نموذجاً ناجحاً لصانع المحتوى المسؤول والمتشبث بالمضمون الرصين، عبر تجربته الرقمية الهادفة التي امتدت نحو عامين في تقديم القصص والشعر باللغة العربية الفصحى على منصات التواصل الاجتماعي التي وصفها بقوله: «أدركت منذ البداية، صعوبة جذب اهتمام جماهيري واسع في مجال صناعة المحتوى الثقافي والأدبي، لكنني راهنت على طريقة الإلقاء والاستمرارية، ولم أتأثر بقلة المشاهدة، ولقد شعرت بالفخر لاحقاً بنجاحي بعد مرور عام في استقطاب 1000 متابع مهتم، أراهن من خلالهم وبشكل تدريجي، على تغيير ذائقة جمهور أوسع مهتم بمخرجات الثقافة والأدب».
وأكد صانع المحتوى الإماراتي الشا، القيمة الحقيقية للتأثير الرقمي، قائلاً: «لاشك أن الأثر الحقيقي لا يقاس بكثرة المتابعين، بل بنوعية الجمهور والتفاعل الحقيقي معه، لذلك دخلت هذا المجال عبر تعلم التصوير والمونتاج ذاتياً، وأطمح اليوم إلى تعزيز جوانب احترافية عدة ترتقي بتجربتي في هذا المجال»، موجهاً رسالة للشباب مفادها «الإعلام الرقمي سلاح ذو حدين، والنجاح يتطلب رؤية تنشر الوعي والمعرفة، وهو ما تدركه قيادتنا الرشيدة التي وفرت لنا هذه البرامج النوعية والمجانية، لتعزيز هويتنا الثقافية بأسلوب حضاري يحمل رسالة هادفة تتخطى مجرد الترفيه».
. مستقبل صناعة المحتوى الرقمي يتطلب تجاوز سباق المشاهدات، والانتقال إلى إنتاج مواد تحمل قيمة معرفية.
. المحتوى الهادف يحتاج إلى الجمع بين عمق المضمون وجودة التقديم، للوصول إلى جمهور واسع.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news