20 عاماً مع ترجمات نوعية تتناول الذاكرة والثقافة والتحولات الحضارية
«كلمة».. إصدارات تُعيد تشكيل علاقة القارئ بذاته والتاريخ
على مدى أكثر من 20 عاماً، رسّخ مشروع «كلمة»، التابع لمركز أبوظبي للغة العربية، حضوره بوصفه أحد أبرز مشروعات الترجمة العربية، عبر إثراء المكتبة العربية بآلاف الكتب المترجمة من معظم لغات العالم، ولا يتوقف تميز المشروع بعدد الإصدارات التي يقدمها، ولكن أيضاً بقيمتها الفكرية وما تضيفه للقارئ من معرفة تسهم في فهم الحياة والواقع المحيط به، وكذلك فهم ذاته بشكل أفضل، فتعكس هذه الإصدارات توجهاً واضحاً لدى «كلمة» نحو اختيار كتب لا تكتفي بتقديم المعرفة، بل تسعى إلى إعادة مساءلة المفاهيم المرتبطة بالإنسان والذاكرة والثقافة والتحولات الحضارية، في وقت يشهد العالم تغيرات متسارعة تعيد تشكيل علاقة الإنسان باللغة والتاريخ.
عابر للتخصصات
وبين أسئلة الهوية والتحولات الرقمية وإعادة قراءة التاريخ العربي، يُقدّم مشروع كلمة للترجمة مجموعة من الإصدارات الفكرية والأدبية التي تعكس اتجاهاً متنامياً نحو الكتب العابرة للتخصصات، إذ تلتقي السيرة الفكرية بالفلسفة، والنقد الأدبي بالتأمل الحضاري، في محاولة لإعادة طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بالإنسان واللغة والهوية والعالم المعاصر.
وتكشف هذه الأعمال عن توجه يتجاوز مفهوم الترجمة بوصفها نقلاً للنصوص، إلى اعتبارها مساحة للحوار الثقافي وإعادة إنتاج المعرفة، بما يفتح أمام القارئ العربي نافذة على قضايا فكرية وإنسانية تشغل العالم اليوم من صورة العربي في الوعي الغربي، إلى فلسفة الترحال، ودور الترجمة في صناعة الحداثة الأدبية، وصولاً إلى تحديات التحول الرقمي في الدول النامية، إذ لم تقتصر اهتمامات المشروع على العلوم الإنسانية والآداب، بل تمتد إلى القضايا المرتبطة بالتحولات العالمية المعاصرة، كما في كتاب «قيادة التحول الرقمي: دروس مستفادة من سبع دول نامية»، الذي يقدّم قراءة تطبيقية لتجارب عدد من الدول النامية في بناء الاقتصاد الرقمي، مستعرضاً التحديات السياسية والاقتصادية التي تواجه مسارات الرقمنة، إلى جانب الفرص التي تتيحها التكنولوجيا في تطوير الخدمات العامة وتعزيز الاقتصاد المعرفي.
بين الشرق والغرب
وحول دور اللغة العربية في تحقيق التواصل بين الشرق والغرب، قدّم مشروع «كلمة» كتاب «مسار مستعرب»، للمستعرب الفرنسي أندريه ميكيل، بترجمة أبوبكر العيادي، الذي يُعدّ سيرة فكرية تتجاوز الطابع الشخصي، لتقدّم تأملاً في علاقة المعرفة بالهوية، ودور اللغة العربية في بناء جسور ثقافية بين الشرق والغرب، ويستعيد ميكيل عبر الكتاب رحلته الطويلة مع العربية التي تحولت من شغف معرفي إلى مشروع حضاري كرّس له عقوداً من البحث والترجمة والدراسة، ويواصل مساءلته لصورة العربي في كتاب «عربي عبر القرون»، الذي يعيد قراءة حضور العربي في التاريخ الإنساني بوصفه فاعلاً حضارياً ممتداً، لا مجرد صورة جامدة في الذاكرة الغربية، ويتميّز العمل بخيار سردي لافت، إذ يكتب المؤلف بصيغة المتكلم متقمصاً شخصية «العربي» عبر العصور، في محاولة لتفكيك الصور النمطية وإعادة تقديم التجربة الحضارية العربية من الداخل، بلغة تجمع بين التأمل التاريخي والحس الأدبي.
أما كتاب «قصص الغريب: تاريخ الرواية عبر الترجمة العربية» للباحثة ربكا جونسون، بترجمة حسام نايل، فيقدّم قراءة نقدية لدور الترجمة في تشكّل الرواية العربية الحديثة، متتبعاً كيف أسهم المترجمون العرب منذ القرن الـ19 في إعادة إنتاج الرواية ضمن سياقات ثقافية محلية، بما جعل الترجمة أداة فاعلة في صناعة الحداثة الأدبية، لا مجرد وسيط لغوي، وفي مساحة تتقاطع فيها الفلسفة بالتاريخ والأدب، يأتي كتاب «التيه: تاريخ التجوال» للمؤلفة إلوند سمرز برمنر، بترجمة قيس الصديق أحمد، ليطرح التجوال بوصفه تجربة إنسانية تتجاوز حدود الحركة الجغرافية إلى أسئلة أعمق تتعلق بالحرية والانتماء والهوية، ويستعرض العمل كيف شكّل الترحال عبر التاريخ مصدراً لإعادة اكتشاف الذات وصياغة رؤى جديدة للعالم.
إلى جانب تلك الإصدارات وغيرها من الكتب التي تمثّل رافداً معرفياً رئيساً للقراء في كل مكان، وفي إطار تعزيز الحوار الحضاري، أعلن المركز عن مبادرة «من كلمة إلى العالم»، الهادفة إلى ترجمة الأدب والفكر العربي والإماراتي، القديم والمعاصر، إلى أبرز لغات العالم، بما يسهم في بناء جسور مستدامة للحوار الثقافي وتعزيز حضور الإنتاج المعرفي العربي على الساحة الدولية.
حقول معرفية
خلال عام 2025، أضاف مشروع «كلمة» للترجمة 130 كتاباً جديداً، بينها 100 في ثمانية حقول معرفية، شملت المعارف العامة والأدب، والتاريخ والجغرافيا، وكتب السيرة والعلوم الاجتماعية، والعلوم الطبيعية والفنون، والفلسفة وعلم النفس، إلى جانب 30 كتاباً للأطفال والناشئة مترجمة عن ست لغات: الإنجليزية والفرنسية والإيطالية، والإسبانية والروسية والصينية.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news