حماسة وتفاؤل بمشروع وزارة الثقافة «أبدع مسرح»

مسرحيون إماراتيون: شكراً وسعيدون بالمبادرة.. لكننا طامعون بأكثر

من مسرحية «الدومينو» للمخرج مروان عبدالله والمؤلف طلال محمود. أرشيفية

حماسة لافتة ووجهات نظر متباينة، ولكنها متفائلة بالمُجمل، قوبلت بها مبادرة «أبدع مسرح»، التي أطلقتها وزارة الثقافة والشباب، أخيراً، بهدف إثراء «أبوالفنون»، ودعم حضوره في المشهد الثقافي المحلي، باعتباره إحدى ركائز القطاع الفني والإبداعي، وفي الوقت الذي عبّر مثقفون ومسرحيون إماراتيون عن تفاؤلهم بجرعات الأمل الجديدة التي بثتها المبادرة، بدا آخرون طامعين بمزيد من الدعم، مراهنين أكثر على تأهيل جيل محترف، وعلى استراتيجيات ثقافية فاعلة تستهدف واقع المبدعين وتمنحهم مزيداً من الثقة.

في الاتجاه الصحيح

في معرض تعليقه على رصد وزارة الثقافة والشباب لمِنح تصل إلى مليون درهم، اعتبر رئيس مجلس إدارة صندوق التكافل الاجتماعي للمسرحيين، عمر غباش، أن المسرح الإماراتي يستحق أكثر، خصوصاً بعد أن استطاع تسليط الضوء بشكل فاعل على كثير من قضايا المجتمع، وملامسة همومه وطموحاته، إلى جانب دوره في بناء الوعي والثقافة ونشر القيم الإنسانية والأخلاقية لدى جميع مكوّنات المجتمع.

واعتبرغباش، صاحب التجربة المسرحية الطويلة، أن إعفاء الجمعيات والفرق المسرحية من رسوم تأجير المساحات في المراكز الإبداعية التابعة للوزارة، كان معمولاً به قبل نحو سبع سنوات، لكن فرض رسوم على هذه المراكز بعد ذلك، أسهم في توقف الأنشطة المسرحية على خشباتها، قائلاً: «أعتقد أن المبادرة اليوم خطوة في الاتجاه الصحيح، وجزء بسيط مما يجب على وزارة الثقافة والشباب القيام به في سبيل زيادة الدعم للفرق المسرحية، الذي لم يتغير منذ نحو 50 عاماً، ليراوح بين 80 و120 ألف درهم سنوياً لكل فرقة مسرحية».

في المقابل، توقع غباش أنه «في ظل الظروف الراهنة، من المفترض ألا يقل الدعم المالي لكل فرقة مسرحية عن 500 ألف درهم على امتداد الموسم المسرحي، بشرط توفير الدعم اللوجستي والمتابعة الحثيثة، من خلال استراتيجية محددة ترافقها أهداف واضحة وبرامج عمل واقعية تضمن للحراك المسرحي النمو والتطور»، مضيفاً: «إذا علمنا أن عدد الفرق المسرحية على امتداد إمارات الدولة لا يتجاوز 16 فرقة مسرحية، فمن المفترض أن يصل الدعم الرسمي إلى نحو ثمانية ملايين درهم سنوياً على أقل تقدير».

التأهيل هو الرهان

من جهته، تحمّس الكاتب والباحث الإماراتي، بلال البدور، في وصف المبادرة قائلاً: «لابد أن نقف أمام أي مبادرة ثقافية بكل احترام، لأن الحركة الثقافية في الإمارات بحاجة دائمة إلى الدعم والدفع. وفي الوقت الذي نواكب بإعجاب المنجزات الكبيرة التي تحققت لنا اليوم في مجالات عدة، منها المجال السياسي والاقتصادي والاستثماري، نتساءل لماذا لم تواكب الثقافة، خصوصاً المسرح كل هذه النهضة؟»، مستشهداً ببوادر الحراك المسرحي المحلي أواخر الأربعينات والمحاولات الكثيرة آنذاك، للنهوض بالحركة المسرحية، بقوله: «لعلنا نتذكر بكثير من الفخر الساحة المسرحية في مرحلة الثمانينات في الإمارات، التي عكست رغبة أهلها الحقيقية في التأهيل والتعلم ومغادرة الكثير منهم آنذاك للكويت، لدراسة مختلف مراحل الصناعة المسرحية وتفاصيلها»، مضيفاً: «إننا نشهد اليوم حالة فتور واضحة تطرح إشكالية تحديد مسؤولية هذا الوضع، هل هي الدولة أم الفرق المسرحية أم المسرحيين أنفسهم؟ ولعل تجربة بعض الأعمال المتنافسة في مهرجان مسرح الشباب اليوم في دورته الرابعة، أكبر دليل على ذلك، إذ لم يستفد شبابنا من تجارب السابقين لا من ناحية مستويات الأداء التمثيلي ولا الإخراج ولا حتى من ناحية النص».

ويرى البدور أنه «رغم قيمة هذه المبادرة التي تعزز تجارب هذا القطاع والعاملين فيه، فإن نتائجها تبقى محدودة، في غياب المعاهد والجامعات والمؤسسات الأكاديمية المتخصصة في الفنون المسرحية، التي تُعدّ أجيالاً متلاحقة من الكُتّاب والممثلين والمخرجين والفنيين وغيرهم، لمواجهة تحديات المجال ودفع عجلة الإنتاج المسرحي، وضمان جودتها وتميزها والارتقاء للمنافسة محلياً وعربياً». وختم بقوله: «يا حبذا لو تنتقل هذه المبادرات في وقت لاحق، لتأسيس مدارس مسرحية تؤهل أجيالاً من الشباب»، ففي ظل توزع الحركة المسرحية الإماراتية على ما يقارب 15 فرقة مسرحية، يرى البدور أننا «لن نخلق ممثلًا، لأن الممثل يصنع في الكواليس قبل أن يخرج للخشبة ويتأهل لتحديات المنافسة، وفي غياب الممثل والمخرج والكاتب المحترف تظل العملية الإبداعية برمتها، مفتقرة للجودة».

نطالب بالمزيد

أما الممثلة الإماراتية سميرة أحمد، فعبّرت عن تفاؤلها وسعادتها الكبيرة بخطوة وزارة الثقافة والشباب، خصوصاً في ما تعلق منها بإعفاء الجمعيات والفرق المسرحية من رسوم تأجير المساحات في المراكز الإبداعية التابعة للوزارة، أو قنوات التسويق الجديدة التي ستتيح للمسرحيين الوصول إلى جمهور أوسع، وهو الأمر الذي رأته النجمة متناسباً مع توقعات جيل واسع من المسرحيين الشبان الذين انتظروها بفارغ الصبر، مستطردة بالقول: «ولكن، هل ستغطي هذه الميزانيات المرصودة كل حاجيات الفرق المالية؟ إذ إن خلق مبدعين يتطلب استثماراً متواصلاً في طاقاتهم، ومن ثم خلق نوع من التنافسية بينهم، حينها يتعيّن علينا دعمهم مالياً على أساس تميزهم، وليس على أي أساس آخر»، مضيفة: «كما يجب السؤال هنا عن مدى قدرة هذه المنح المالية - إن قسمت - على تغطية كل حاجيات الفرق المسرحية ومستلزمات أعمالها، فيا حبذا لو يتم رفع سقف الدعم المالي لاستيفاء حاجيات هذه الصناعة».

كما طالبت الفنانة وزارة الثقافة، إلى جانب الدعم المالي، باستحداث «استراتيجية خاصة تضم خططاً وأهدافاً واضحة وذكية وطموحة لتطوير (أبوالفنون)، ووضع جميع فئاته ضمن اهتماماتها الأساسية».

جرعة أمل

بحكم رئاسته لمجلس إدارة مسرح دبي الأهلي، وصف يوسف غريب، صدى المبادرة بالقول: «الوسط المسرحي متفائل ويشكر وزارة الثقافة والشباب والقائمين على المبادرة، الذين أوصلوا صوت المسرح والمسرحيين الإماراتيين وأضاؤوا على واقعهم»، مضيفاً: «بسبب جائحة (كورونا)، توقفت جميع المسارح لمدة سنتين على الأقل عن العمل، فانسحبت الحركة المسرحية من المشهد الثقافي، ولكننا متفائلون اليوم بتحسّن الوضع مع هذه المبادرة الرائدة، التي تشكل جرعة أمل حقيقية بثت فينا الروح من جديد»، مشيراً إلى السعادة والحماسة التي بدأ يلمسها لدى عدد من المسرحيين الإماراتيين والطاقة الإيجابية التي انتشرت بين أعضاء مسرح دبي الأهلي وفي أوساط مسرحية عدة، «بدأت تخطط لمشروعات أفكار وإنتاجات جديدة تراهن على التنوع والجودة وعلى المشاركات الدولية التي لم تكن في وقت سابق، متاحة، بسبب العوائق المالية».

دافع لرعاة الثقافة

أما بلال عبدالله، الذي شغل سابقاً مناصب إدارية عدة في إطار مسرح دبي الأهلي، وفي جمعية دبي للفنون الشعبية والمسرح، فأكد أن مشكلة تمويل الأعمال المسرحية ودعمها مالياً، تبقى المعضلة الأهم في حركة المسرح المحلي، مضيفاً: «أسعدني للغاية خبر إطلاق هذه المبادرة التي تأخذ طابعاً رسمياً، وتشكل دافعاً قوياً لاجتذاب كل أشكال الدعم من بقية الجهات العامة والخاصة، لأننا بالفعل نحتاج إلى رعاة الثقافة من أجل عودة الحياة إلى الحركة المسرحية».


عمر غباش:

• «خطوة في الاتجاه الصحيح، لكنها جزء بسيط مما يجب على الوزارة القيام به».

بلال البدور:

• «نتائجها تبقى محدودة، في غياب المعاهد التي تُعدّ أجيالاً من المسرحيين».

سميرة أحمد:

• «متفائلة وسعيدة بالخطوة، لكننا نحتاج إلى استراتيجية وخطط وأهداف واضحة وذكية».

يوسف غريب:

• «متفائلون بتحسّن الوضع، والمبادرة جرعة أمل حقيقية بثت فينا الروح من جديد».

بلال عبدالله:

• «المبادرة تشكل دافعاً قوياً لاجتذاب كل أشكال الدعم من بقية الجهات العامة والخاصة».


نقطة تحوّل بعد ركود

رأى الفنان الإماراتي وعضو مسرح دبي الوطني، عادل خميس، أن «أبدع مسرح»، فرصة حقيقية لعودة الحركية إلى المبدعين وتنشيط «الخشبة»، وذلك، بعد فترة ركود طويلة فرضتها أزمة «كورونا» وتداعياتها، التي طالت المسرح والميزانيات المرصودة في هذا الإطار، مشيداً بخطوة إعفاء الجمعيات والفرق المسرحية من رسوم تأجير المساحات في المراكز الإبداعية، التي ستشجع الفرق المسرحية على الأداء خارج الموسم المعتاد، خطوة إيجابية في سبيل عودة الروح إلى الحركة المسرحية في الإمارات، خصوصاً، مع انحصارها في مواسم بعينها «لدينا العديد من الطاقات الإبداعية الكامنة والمغمورة، التي لا تجد فرصة الظهور إلا في إطار المواسم المسرحية المعروفة والقليلة، مثل أيام الشارقة المسرحية، ومسرح الطفل، ومهرجان دبي لمسرح الشباب، ليتوقف النشاط المسرحي بعدها على امتداد العام بانتظار فرصة جديدة».

كما أكد خميس أن تخفيف الأعباء التشغيلية عن الفرق والمنتجين المسرحيين، إلى جانب توفير الدعم اللوجستي «سيدفعان باتجاه إنتاج المزيد من الأعمال المسرحية، ما يضمن انتشاراً أوسع للممثلين الإماراتيين وللمواهب الشابة».

طباعة