«كورونا» حوّلت التجمعات العائلية إلى العالم الافتراضي

رمضان في الإمارات.. تراحم وتقاليد أصيلة

صورة

«ذاكرة الوطن»

صفحة أسبوعية تقدمها «الإمارات اليوم»، بالتعاون مع «الأرشيف الوطني»، التابع لوزارة شؤون الرئاسة، بهدف التعريف بشكل الحياة في الإمارات قبل الاتحاد، وخلال بداياته الأولى، والجهد الكبير الذي بذله الآباء المؤسسون للدولة من أجل قيامها، وربطها بما يحققه قادة الإمارات، اليوم، وأبناؤها من إنجازات شهد لها العالم.


في كل عام يهل شهر رمضان حاملاً معه نسمات الخير والمحبة والتراحم بين أفراد المجتمع، ويعيد إلى الواجهة عادات وتقاليد أصيلة، مازالت تتوارثها الأجيال، وتتمسك بها، لما لها أثر كبير في تماسك المجتمع، والحفاظ على العلاقات الاجتماعية فيه. بينما يأتي شهر رمضان هذا العام مختلفاً عن المعتاد، فمازالت تداعيات جائحة «كوفيد ـ 19» تخيّم بظلالها عليه، فارضةً على أفراد المجتمع إبقاء مسافات التباعد الآمنة، ومنع التجمعات وتبادل الزيارات بين العائلات والأسر، حفاظاً على صحة الجميع، خصوصاً كبار السن، كما تفرض منع الخيام الرمضانية والمجالس وموائد الإفطار التي ارتبطت بهذا الشهر الفضيل، لتحل محلها التجمعات الافتراضية عبر الاتصالات المرئية.

وارتبط شهر رمضان على مدى سنوات طويلة بعادات وطقوس معينة، ميزته عن غيره من شهور العام، إلى جانب ما يتميز به من أجواء روحانية ودينية فريدة. ورغم حفاظ شهر رمضان على هذا الطابع حتى الآن، إلا أن رمضان قديماً كان مختلفاً، في ظل قلة الإمكانات، وصعوبة الحياة، قبل اكتشاف النفط، وغياب وسائل التكنولوجيا الحديثة، التي باتت تستخدم لاستطلاع الأهلة، أو تلك التي تستخدم في التواصل بين الناس، والتي جعلت من العالم قرية صغيرة.

تحري الهلال

كان تحري شهر رمضان قديماً يجري من بداية شهر شعبان، حيث كان الناس يعملون على تجهيز احتياجاتهم التي لا تتعدى العيش والطحين والقهوة ومستلزماتها، فقد كان إحضار هذه المستلزمات يحتاج إلى وقت ومسيرة أيام على ظهور الإبل، مثلما هي الرحلة ما بين أبوظبي ودبي أو أبوظبي والعين، ويوم بين الساحل في رأس الخيمة وقرى رؤوس الجبال في الإمارة نفسها، وفق ما يذكر الباحث التراثي حمدي نصر في مادة صحافية له بعنوان «رمضان زمان في البر والبحر.. الحضر والحير». موضحاً أن معرفة دخول شهر رمضان الماضي كانت بالشوف، والعيد بالحساب، والإعلان عنه بلبق النار، والفطور بتسليم الشمس، والسحور بصفعة الديك، وغالباً ما يكون رمضان 30 يوماً، إلا إذا جاءت العلوم تنادي: «اليوم عيد.. عيدواء اليوم عيد، عيدواء». موضحاً أن معرفة قدوم شهر رمضان في الحضر كانت أكثر يسراً من بقية المناطق.

استقبال رمضان

وتوضح الراوية بخيتة سيف مبارك الخييلي، ضمن مقابلات التاريخ الشفاهي التي أجراها قسم التاريخ الشفاهي ودراسات الأنساب في «الأرشيف الوطني»، آلية استطلاع الهلال واستقبال الشهر الكريم، قائلة: «كان الناس يتخذون مكاناً يستطلعون فيه رؤية الهلال، وإذا لم يروه لم يصوموا اليوم التالي، وإذا رأوه صاموا، وكذلك الأمر في العيد. ورمضان يأتي في فصول السنة كلّها. وكان الأولاد الصغار يصومون من عمر ثماني سنوات أو تسع أو 10. وكانوا يتعبون أثناء صيامهم، لأنهم يقومون برعي الهوش والبوش في الصباح. ومن كثرة التعب كانوا يستلقون وينامون بعد أن يصلوا». في حين تقول الراوية عائشة السيد كامل أحمد الهاشمي: «كانت أمي قبل رمضان تقريباً بشهر تصنع البزار (التوابل) بنفسها، تغسله، وتجففه، وتسحق البزار بنفسها في البيت، وكانوا يحضرون ملح صلافة (الملح الجامد على شكل قطعة يصعب حملها)، ويزيلون الغبار عنه بالسكين ويدقونه. ويحمصون القهوة أيضاً، ويدقونها ويصنعون لهم مونة. وكان الأرز في الماضي (عيش بشاور). وكانت أمي تصنع لنا في تلك الأيام الشوربا، والكستر، ويسمونه (عّرَرّوت)، وكانوا يقيمون حفلاً يسمى النصف من الشهر في منتصف رمضان في أيام الـ13 والـ14 والـ15 من رمضان، ويصنعون (توزيعات)، وكان البعض يوزعون حلوى الملبس الأحمر والأخضر والأزرق، و«الدنقو» (حبوب الحمص) المحمص، والمكسرات، واللبان، والشكولاتة، و«برميت» (نوع من أنواع السكاكر)، ويخلطونها كلها، ويوزعونها علينا. وكان يوزعون أيضاً الأرز، أو خبز وقافي من التنور. وكان في كل فريج تنور، يخبزون فيه خبز الرقاق. وكانوا يأتون بالحلوى من دبي في (أبياب)، وكانوا يفتحون البيب ويغرفون منه الحلوى».

طقوس رمضانية

ويصف الراوي عيضة محمد راشد محوش المزروعي، طقوس شهر رمضان عند أهل البر، قائلاً: «كنا نرمض في البر، عسر، وحرّ، والماء مالح، وكنا نرش الماء علينا لنتقي هذا الحر، ونستظل بمكان، ونبحث عن الهواء البارد، والنساء كنّ يطبخن ويجهزن العيشة لنا، ويغسلن ثيابنا، أما الرجل فيذهب في الصباح الباكر إلى بوشه، أو قد يذهب إلى البلاد لكي يبحث عن لقمة العيش. وكان عندنا في محضر «العّد» وفي «الجو الغربي» مطاوعة، وكانوا يحسبون الأيام ويعدونها منذُ يِعيِدون العيد، فيقولون: «الفطر، الأضحى، الدسيسة (مُحرم)، صفر، ربيع، رجب، القصير (شعبان)، ورمضان، 12 شهراً».

ويتطرق الراوي سيف مجرن خليفة الهاملي لطقوس تناول الطعام، موضحاً: «كنا في رمضان نشم رائحة خبز المحلى والهريس وقت العصر، وكان لرمضان في الماضي طعم، والآن اختلف الأمر. وفي رمضان كان الرجال يجلسون وحدهم، والنساء وحدهنّ، ويفطرون معاً، وعندما يحين وقت صلاة العشاء يذهب الرجال لصلاة التراويح، والنساء أيضاً». في حين تقول الراوية مريم سالم عبيد الكعبي: «كان الرجال يجتمعون لكي يتناولوا الفطور، والنساء أيضاً. أما في الوقت الحالي فقد قلّت الزيارات في شهر رمضان. وكانت المرأة التي لا تفطر معي أرسل من فطوري إلى منزلها، وهي ترسل لي من فطورها أيضاً».


سيف مجرن الهاملي:

• «كنا في رمضان نشم رائحة خبز المحلى والهريس وقت العصر».

بخيتة سيف الخييلي:

• «كان الأولاد الصغار يصومون من عمر 8 أو 9 أو 10 سنوات».


• رمضان قديماً كان مختلفاً في ظل قلة الإمكانات وصعوبة الحياة.

• كانت مائدة الإفطار قديماً تعكس بساطة الحياة، ولم يكن هناك إسراف.


مائدة رمضان

كانت مائدة الإفطار في رمضان قديماً تعكس بساطة الحياة في ذلك الوقت، فلم يكن هناك تبذير أو إسراف، بل اعتماد كبير على البيئة وما يتوافر فيها من أطعمة، لذلك كان إفطار وسحور رمضان لدى معظم الناس بسيطين، وكان التمر واللبن أو الحليب والماء عناصر رئيسة في طعام رمضان، وكثيراً ما كان الرجال يذهبون إلى المساجد للصلاة، وكل منهم يحمل طبقاً من الطعام الذي لديه في المنزل، وعقب الصلاة يتجمعون لتناول الطعام معاً. وإلى جانب الأطعمة الرئيسة، كانت الأسر تعد أنواعاً من الحلويات، مثل الساقو والخبيص والعصيد واللقيمات، أما القهوة فكانت لها مكانتها الخاصة في المنازل والمجالس.

طباعة