التغيّر المفاجئ لروتين الحياة دفع الناس إلى جنون «مواقع التسوّق»

قرّاء: أزمة «كورونا» شمّاعة الكسالى.. وتعلّمنا التوفير

صورة

لا تبدو ارتدادات أزمة فيروس «كورونا» المستجد، الذي انتشر في معظم أرجاء الكوكب من حولنا، في تبعاتها الكارثية على الصحة الجسدية والنفسية للأشخاص والشلل الواضح الذي أحدثته على أكبر وأهم اقتصاديات العالم الحديث فحسب، وإنما كذلك في الظواهر والانقلابات الاجتماعية الجديدة التي فرضتها الأزمة على المجتمعات، وكان أبرزها نزوع بعضها نحو أنماط جديدة ومغايرة تماماً من «الاستهلاك» المفرط و«غير الواعي» أحياناً للمنتجات التي تعرضها مواقع التسوّق الإلكتروني اليوم، والذي فاقمته فترة العزل الصحي وانسحاب الناس من الحياة الاجتماعية وتأثيراته في اقتصاداتهم الفردية.

«الإمارات اليوم» استطلعت آراء عدد من الإماراتيين حول الظاهرة وحدودها وكيفية إدارة البعض لحساباتهم وأبرز الخطط البديلة لمعالجة الظاهرة التي باتت تهدد ميزانيات الأسرة الإماراتية.

«شوبينغ» لكسر الروتين

منذ ظهور أزمة فيروس «كورونا» المستجد، ظلت الإماراتية مريم يعقوب، معتمدة بالكامل على التسوّق الافتراضي، سواء لاقتناء مستلزماتها من مواد التجميل أو الأزياء أو حتى الاحتياجات المنزلية، وتؤكد يعقوب: «تحولنا منذ ظهور الأزمة بشكل كلي نحو (الأونلاين)، ولكن وبعد تخفيف الإجراءات الاحترازية، اتجهت بشكل جزئي إلى اقتناء أغراضي مباشرة من الأسواق والمراكز مع مراعاة التباعد الاجتماعي، لأنني لا أثق بتفاصيل المقاسات والألوان الموضحة على مواقع الشراء، ولكن بشكل عام هناك اتجاه مكثف اليوم خلال الجائحة، نحو (إنستغرام) والتطبيقات الإلكترونية المحلية والعالمية الشهيرة، التي أصبحت البديل الأفضل للكثير منا لاقتناء مستلزماتنا». وتضيف: «حتى المصممات الإماراتيات توجهن في غياب المعارض والتظاهرات الخاصة بالأزياء، إلى (الأونلاين) لبيع منتجاتهن، ما ضاعف حضور وتأثير مشاهير السوشيال ميديا في هذا المجال، باعتبار توليهم مهمة تسويق هذه المنتجات، وتشجيع اقتنائها على صفحاتهم الخاصة التي يتابعها الملايين على فضاءات التواصل الاجتماعي، وهذا بحد ذاته زاد من إقبال الكثيرين على الاستهلاك الاعتباطي في كثير من الأحيان».

من جهة أخرى، لفتت يعقوب إلى أنه «في فترة (كورونا)، وبسبب تغيّر روتين حياتنا المفاجئ، ومكوثنا في البيوت لأوقات طويلة، تضاعف إقبالنا أكثر على الإنترنت لتبديد الضجر والملل اللذين أصابانا، وأشعرانا بالتالي إلى حاجتنا إلى كسرهما بمتعة (الشوبينغ)، لكن بشكل غير مسؤول أحياناً».

التسوّق «الأنسب» حالياً

الإماراتية دعاء العبدولي، رغم وعيها الواضح بأهمية التحكم في مواردها المالية، لاحظت أن ثقافة الاستهلاك، خصوصاً ظاهرة التسوّق الإلكتروني، شهدت ضرباً من التطور والانتعاش الملاحظ أخيراً، خصوصاً في ظل انتشار جائحة «كورونا»، سواء خلال فترة الحجر المنزلي، أو حتى بعد عودة الحياة إلى سالف نشاطها قائلة: «شهدت بعض مواقع الشراء الإلكتروني قبل فترة (كورونا) نوعاً من الخمول الواضح، لأن الناس كانت تفضل التبضع في المراكز التجارية. إلا أننا اليوم، وبسبب الإجراءات الاحترازية، بتنا نميل أكثر إلى تجنب الضغط الواضح على المراكز ومحال الموضة، وهذا ما يدفعنا أكثر فأكثر نحو التسوّق الإلكتروني»، لافتة إلى أنها فوجئت بخيارات الملابس الكثيرة المعروضة على المواقع، التي وجدتها أجمل بكثير مما تعرضه المحال، إضافة إلى ذلك تبدو عملية التسوّق «أونلاين»، كما تقول العبدولي: «أريح بكثير من الوقت الذي أخصصه كل مرة لاقتناء ما أحتاجه من الأسواق، إذ إنه يمكنني اليوم تسوّق ما أحتاجه، وهذا يريحني أكثر ويغريني بخيارات أوسع، إلا أنه من الأفضل دوماً - حسب رأيي - تحديد وقت معين كل شهر للتسوّق، وعدم الإفراط في تجارب التسوّق الإلكتروني، رغم أنه الأنسب الآن لهذه الظروف».

الاستهلاك غير الواعي

لكن أمل أحمد، رغم أنها ترى أن الناس اتجهت في زمن «كورونا» نحو التسوّق الإلكتروني، فإنها تفضل دوماً النزول إلى السوق لاقتناء ما تحتاجه، لأنها تؤمن بقيمة الحركة في «تكريس أسلوب حياة صحي»، وتنصح «بعدم الاستسهال في التعاطي مع ثقافة الصحة عموماً»، بل ترى أن «كثيراً منا بات يضع أزمة (كورونا) للأسف شماعة يعلق عليها كسله وتراخيه، وهذا يتحول مع الوقت في عقلنا اللاواعي إلى حقيقة راسخة وأسلوب حياة قادر على تحويلنا إلى أشخاص اتكاليين وتدمير صحتنا بالكامل». وتشدد أحمد على موقفها «ضد تشجيع ثقافة الاستهلاك التي يحفزها التبضع الإلكتروني، باعتباره أسرع وأريح وسيلة لاقتناء ما نحلم به بكل سهولة بكبسة زر واحدة»، وترى أن هناك فارقاً كبيرا وجلياً «بين الدفع بالبطاقة عند الشراء إلكترونياً والدفع نقداً واحتساب النقود والميزانيات وقيمة تحديدها وحسن إدارتها باستمرار، الذي يعدّ أهم بكثير من خطوة التبضع العشوائي». وفي هذا الإطار، نبهت أمل محمد إلى قيمة «ترشيد الاستهلاك في هذه الظروف الاقتصادية العصيبة التي يمر بها العالم، وأهمية التعلم من هذه التجربة المريرة للتفكير ملياً في ترشيد الاستهلاك وتحديد الضروريات والكماليات، ومن ثم احتساب الميزانيات وتوزيعها بشكل أفضل»، لافتة إلى «أهمية الادخار للغد لتلافي مفاجآت المستقبل». من جهتها، أكدت الإماراتية منى التميمي، أن «الاستهلاك في فترة (كورونا) أو خارجها يجب أن يرتبط باستمرار بالحاجة وليس بالمزاج»، مؤكدة اهتمامها الدائم باقتناء ما يناسبها من الأزياء وتركيزها في تجارب التسوّق دوماً على جودة المنتجات، التي يجب أن تجربها بشكل مباشر وليس على الإنترنت، موضحة: «اتجه معظم الناس في فترة العزل نحو المنصّات الإلكترونية لاقتناء أغراض البيت ولوازمه الضرورية بشكل عام، أما تفاصيل الرفاهية والأزياء فلم يكن لها داع، باعتبار عدم حاجتنا لها، ما جعل التسوّق والإنفاق متجهين نحو الاستهلاك اليومي للبيت أكثر من أمور أخرى»، مضيفة: «رغم ذلك، لوحظ فعلياً في فترة العزل ارتفاع أرباح شركات التوصيل بسبب زيادة إقبال الناس على خيارات الشراء الإلكتروني، كما أن تزاحم الشركات بقنوات دعاياتها المتعددة على إغراء المستهلكين باقتناء منتجاتها، زاد من تهافت الناس وإقبالهم على الإنفاق»، وتستدرك التميمي: «لكنني بصراحة على قدر إنفاقي في مقتنيات المطبخ والأكل في فترة (كورونا) فإنني أرى أن الأزمة مكنتنا من التحكم في المصاريف والاقتصاد في النفقات، باعتبار التخوف الذي كان متصلاً لدى كثيرين من فقدان موارد رزقهم بسبب الأزمة».


«كورونا» تحفز المبدعين

في الوقت الذي عمّقت أزمة «كورونا» عادات الاستهلاك في المجتمع، لفتت أمل أحمد، إلى أن الأزمة نفسها أبرزت فئات مجتمعية جديدة مبدعة ومنتجة ومسهمة بالتالي في النهضة الاقتصادية، لعل أهمها أصحاب المشروعات المنزلية، الذين بتنا نراهم يتحركون على الفضاءات الاجتماعية، حيث أحسنوا استثمار حيز الوقت المتاح أثناء العزل لإطلاق مشروعاتهم الجديدة المربحة، منها مشروعات الكمامات الجديدة والحلويات وتنظيم الحفلات العائلية، وغيرها من المبادرات الإنتاجية الواعدة التي ولّدتها «كورونا».

العائلة الواحدة اكتشفت بعضها

يرى الخبير والمستشار الاقتصادي الإماراتي، صلاح الحليان، أن «مشكلة البعض الذي تطور لديه ثقافة الاستهلاك بسبب ارتفاع مداخيلهم، تكمن في عدم قدرتهم على التأقلم والتكيف مع المعطيات والأنماط الجديدة للواقع الاقتصادي المتأزم الذي تواجهه مجتمعاتنا اليوم». إلا أن أزمة «كورونا» كما يضيف الحليان: «كشفت لبعض الناس حقائق جديدة ومفاجئة حول أنفسهم وحول حياتهم، خلال العزل الذي أجبر أفراد العائلة الواحدة على اكتشاف بعضهم بعضاً». كما فرض عزل «كورونا» وانسحاب الناس من الحياة الاجتماعية، حسب الحليان، «تقنين عملية الاستهلاك اليومي، وعمليات هدر الأموال في التسوّق والمطاعم والمقاهي والمشاوير الترفيهية اليومية، وبالفعل، فالكثير من الإماراتيين وفروا أموالهم في أزمة (كورونا)، ونجحوا في التحكم في ميزانياتهم». ويعزو الحليان ذلك إلى أن «أمر الإنفاق ظل دوماً متصلاً بقيمة الأشخاص وصورتهم الاجتماعية أمام الغير، أما اليوم فقد اختلفت أنماط التفكير وأصبح الأمر مرادفاً للهدر». ويتابع: «عمقت أزمة (كورونا) الاقتصادية نظرة الإماراتي والخليجي بشكل عام للوظيفة الثابتة، باعتبار اندثار الكثير من الوظائف خلال الأزمة، كما واختلفت نظرته كذلك للإنتاجية ولقيمة الموارد الفردية المتأتية من الأعمال الخاصة». ويرى الحليان أننا «مقدمون اليوم بسبب (كورونا) على حقبة اقتصادية عصيبة، ستجبر الجميع على التوفير والتحكم في الميزانيات وضبطها، لأنها وإن دفعت الناس إلى ترشيد الاستهلاك وتحديد الضروريات من الكماليات، فإن فائدتها الأكبر تظل في القناعة التي رسختها لديهم، وهي أن قيمتهم لا تكمن في الأموال وإنما في ذواتهم».


• المصممات الإماراتيات توجهن في غياب المعارض والتظاهرات الخاصة بالأزياء إلى البيع «أونلاين».

• تزاحم الشركات على إغراء المستهلكين بمنتجاتها زاد من تهافت الناس على الإنفاق.

طباعة