«المعشوقة السمراء» تحظى بمكانة خاصة في البيوت

القهوة الإماراتية.. رمز الضيافة حتى ولو نُحرت الذبائح

صورة

تعد القهوة التي تُصنع من بذور البن المحمصة من أكثر المشروبات والسلع انتشاراً حول العالم، وأصبحت وسيلة للتلاقي مع الآخرين، ما يعد سبباً في شعبيتها وتسميتها «المعشوقة السمراء».

ويعد تقديم القهوة من أهم تقاليد الضيافة في المجتمع العربي عموماً، والمجتمع الإماراتي خصوصاً، وظلت تشكل جزءاً أساسياً من الثقافة العربية على مدار قرون عدة، وتتميز طريقة تحضيرها وتقديمها بتقاليد وآداب عربية أصيلة.

وترمز القهوة إلى الكرم وحسن الضيافة التي يتميز بها المجتمع الإماراتي؛ ما جعلها متأصلة بقوة في التقاليد الإماراتية.

ونظراً للأهمية الثقافية والتراثية التي تحظى بها القهوة العربية أدرجتها دولة الإمارات وعدد من دول الخليج العربي عام 2015 ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية في منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونسكو).

احترام

وقالت الباحثة في الثقافة الإماراتية، غاية الظاهري، إن انتشار القهوة في منطقة الخليج العربي يعود إلى أكثر من 500 عام تقريباً، إثر الامتداد الجغرافي والجوار مع المناطق الحجازية التي منها انتشر شراب القهوة إلى ما حولها عن طريق رحلات الحج، بعدما وفدت هذه القهوة من موطنها الأصلي في اليمن عن طريق الأسفار التجارية، ومن هناك عرفها المجتمع الإماراتي.

وأضافت أن «القهوة الاماراتية لها احترامها وتقديرها المتعلق بقواعد الأدب والسلوك في المجتمع الإماراتي؛ فلا يعد إكرام الضيف له شأن إذا لم تقدم له القهوة حتى ولو نحرت له الذبائح، وقدم له ما لذ وطاب من طعام وشراب».

وأشارت غاية الظاهري إلى أن «القهوة تعد من المتطلبات الأساسية في كل بيت إماراتي، فصار فنجان القهوة الرفيق اليومي الذي يبدأ معهم صباحهم ويكرمون به ضيفهم، فنجدهم يحرصون على تزويد البيت بحبوب القهوة باستمرار قبل نفاد الكمية المتوافرة، فلا يمر يوم والبيت خال من القهوة».

«الدلة الفلاحية»

وأوضحت غاية الظاهري أن القهوة الإماراتية التي تتميز عن غيرها بطريقة ودرجة تحميصها، وإضافة «القناد» الذي يتألف من مواد عطرية نباتية مثل الهيل والزعفران وغيرها؛ تصنع بعد صلاة الفجر مباشرة، إذ كانوا ومازالوا يبدأون يومهم بفنجان من القهوة، أما الوقت الآخر الذي تصنع فيه القهوة فهو بعد أذان العصر مباشرة، ويطلق عليها «قهوة العصر»، وهذه الأوقات المتعارف عليها هي الأوقات العادية.

وذكرت أن الدلة من أهم الأدوات المستخدمة أثناء تحضير القهوة، فقد صُمّمت وزُيّنت بطريقة خاصة، وتوجد منها أنواع عدة تُستخدم أثناء تحضير وتقديم القهوة، ومنها ما هو متميز مثل «الدلة الفلاحية» التي تعتبر من الدلال الفاخرة، وتنسب إلى قبيلة آل بوفلاح العريقة، وتتميز عن غيرها بأنها رمز تراثي خاص يعبر عن أصالة النسب، وتجسد أيضاً مفهوم الهوية الوطنية الإماراتية، وأنها صنعت من أجود الخامات من الذهب والفضة، وتميزت بدقة صنعها وأناقة شكلها والتناسق بين الشكل والحجم.

عهود

وأكدت الباحثة في الثقافة الإماراتية أن الفنجان الذي تقدم القهوة فيه يعد أداة يعبر بها أفراد المجتمع عن مختلف المواقف والأوضاع الاجتماعية التي تمجد الفضائل وتترفع عن الرذائل، في مقدمتها خصلة الكرم التي ترمز للعطاء والجود والسخاء، وقد عرف العرب بكل هذه المعاني قبل معرفتهم بالقهوة، لكن هذا الفنجان أضاف المعنى الجديد والأساسي للالتزام الشخصي والجماعي في موضوعات اجتماعية شتى.

وأضافت أن من هذه الدلالات والعادات التي ترمز لها طلب الزواج، كما يعبر فنجان القهوة أيضاً عن الالتزام في أخذ العهود، حيث يقال «بينا فنيان قهوة مشروب في حضرة خوان شما»؛ وهذا التعبير له دلالة على توثيق الأمر بين الجماعة، إذ إن القهوة مطلوبة وحاضرة في أي مكان يكونون فيه.

وذكرت أن «القهوة لها قيمة معنوية كبيرة في المجتمع الإماراتي، إذ تقدم كهدايا بين الأهل والأصدقاء والجيران في مختلف المناسبات، مثل شهر رمضان المبارك والانتقال إلى منازل جديدة ومناسبات الزواج»، منوهة إلى أن حبوب البن كانت هي الهدية التي ينتظرها الناس عند عودة المسافرين (الطروش) من الأسفار.

وتابعت غاية الظاهري: «لقد بلغت أهمية القهوة في المجتمع الإماراتي أنه خلال فترة الحرب العالمية الثانية من عام 1940 - 1945 توقف استيراد البن تماماً، ما أدى إلى شح البن، فأخذ الناس يبحثون عما يستعيضون به عن البن المفقود، فاهتدوا إلى نواة التمر عوضاً عنه، فصاروا يجمعون نوى التمور ثم يقومون بتنظيفه وتحميصه وطحنه، ويضاف بعد ذلك إلى الماء المغلي ليتحول لونه إلى اللون البني ويغدو طعمه قريباً من طعم شراب القهوة، وإن اختلفت النكهة».

وأوضحت أن عاشق القهوة لا يستطيع الاستغناء عنها ويفضلها على كل طعام وشراب، وإذا شح الماء قديماً فذلك لن يشكل له أي معضلة، إذ يقوم بحلب شاته أو ناقته فيغلي قليلاً من البن مع الحليب لتحضير فنجان من قهوة بالحليب، وهذه الطريقة في تحضير القهوة عرفت منذ زمن طويل لدى بدو الصحراء في منطقة بينونة بالإمارات وفي المجتمعات الصحراوية العربية.


صاحب خبرة

حاز «المقهوي»، وهو الشخص الذي يقوم بتقديم القهوة للضيوف، مكانة مميزة في مجتمع الإمارات، فتقديم القهوة يتطلب الكثير من الخبرة والمهارة والصفات والأخلاق الحميدة والمظهر الحسن واللياقة البدنية التي يجب أن تتوافر في من يقوم بتقديمها، لما يتطلبه هذا العمل من ثقافة تراثية أصيلة.

تقديم القهوة من أهم تقاليد الضيافة في المجتمع العربي والإماراتي.

 

طباعة