ألهمت بيكاسو أعماله الأغلى سعراً في تاريخ الفن

    دورا مار.. الفنانة العبقرية و«السيدة الباكية»

    لكل إنجاز حكايته الخاصة، التي تختلف مع اختلاف صاحبه ونظرته إلى ما يحيط به، سواء كان لوحة فنية، أو منحوتة، أو تصميماً هندسياً، أو مجموعة أزياء، أو حدثاً غيّر مجرى التاريخ. ومهما اختلف العمل في تركيبته، والخيوط غير المرئية التي شكَّلته، التي لا تراها سوى عين صاحبه، تبقى الشخصية الملهمة هي المعيار الوحيد الذي لا يتغير، وتبقى تلك العلاقة الغامضة والمثيرة للجدل بها هي الشرارة الحقيقية التي تستفز الابتكار.. فمن هنّ الملهمات في التاريخ؟


    كثيرات هن اللاتي مررن على حياة الإسباني بابلو بيكاسو، أحد أشهر فناني القرن الـ20، وأهم مؤسسي الحركة التكعيبية في الفن، إلا أن دورا مار كانت قادرة، وبشهادة الكثيرين ممن صاحبوهما، أن يجدوا فيها الملهمة التي استطاعت أن تعيد الحياة إليه، وتستفز حسه الفني مرة أخرى، مقدماً بعد ارتباطه بها مجموعة من أشهر أعماله الفنية، وأغلاها سعراً في تاريخ الفن.

    المصورة، والرسامة، والشاعرة، دورا مار، بشعرها الداكن، وملامحها الهادئة، وعينيها الشفافتين بزرقة باهتة، كانت قادرة على أن تتحول إلى الملهمة والمادة الرئيسة، التي غالبا ما جسَّدها في قالب حزين وباكٍ، وسواء كان ذلك بسبب ما استطاع أن يبصره بداخلها، أو بسبب معاناتها الشخصية معه، وحربها المستمرة مع عشيقته وأم ابنته، التي لم ينفصل عنها حتى وفاته، كان لهذا الحزن الذي عكسته ملامح دورا قدرته على أن يؤجج في داخله شرارة الفن، ويحول هذه الفنانة السابقة لأوانها إلى ملهمة أثرت العالم الفني حتى يومنا هذا.

    على الرغم من أنها اشتهرت باسم دورا مار، الذي اختارته لنفسها لاحقاً عام 1926 كنوع من الاختصار لاسمها الحقيقي، إلا أنها ولدت باسم هنرييت ثيودورا ماركوفيتش، في 22 نوفمبر 1907، لمهندس كرواتي درس في فيينا، واستقر في باريس، حيث تزوج بالفرنسية لويس جولي فيزون، وأنجب منها ابنته الوحيدة.

    تنقل

    انتقلت الأسرة عام 1910 إلى عاصمة الأرجنتين بوينس آيريس، حيث ترعرعت الطفلة وكبرت، بينما قدم والدها العديد من الإنجازات والمشروعات الهندسية المهمة، ونجح في أن يحقق مكانة اجتماعية مهمة، وتم تكريمه من الإمبراطور فرانسيس جوزيف الأول. بجذور كرواتية فرنسية، وخلفية أرجنتينية، ولسان إسباني، عادت هنرييت في عمر الـ19 مع عائلتها إلى باريس عام 1926، وبطبيعة الحال، اختارت الشابة الجميلة أن تدرس التصوير والرسم في عدد من كليات الفنون هناك، وهي الفترة التي تعرفت فيها إلى مجموعة من أهم فناني القرن الـ20، الذين استمرت صداقتها بهم عقوداً طويلة. عودة دورا مار إلى باريس كانت في فترة انطلاق الحركة السيريالية في الفنون، مقدمة مجموعة كبيرة من الأعمال الفنية في عالم التصوير الفوتوغرافي، الذي أتقنته بذكاء ورغبة عازمة على التطور. مالت أعمال دورا مار إلى التجريب المستمر، بينما التقطت عيناها دائماً تلك التفاصيل التي يصعب ملاحظتها، في توجه واضح إلى رصد ما سببه الانهيار الاقتصادي عام 1929، حيث تنقلت بين برشلونة ولندن بعد توقف الدراسة، بمعداتها وكاميرتها، مقدمة لمحة واقعية لما تعانيه الأحياء الفقيرة، لتعود لاحقاً إلى باريس وتفتتح استوديو التصوير الخاص بها بمساعدة من والدها.

    شهرة نادرة

    على الرغم من ارتباط اسمها لاحقاً وكلياً ببيكاسو، إلا أنها كانت مصورة وفنانة معروفة وناشطة يسارية معارضة للفاشية قبل لقائهما، إلى جانب موهبتها المميزة في الرسم، وتعتبر واحدة من أكثر المصورات الفوتوغرافيات تقدماً وإبداعاً وندرة في تلك الفترة، سواء عبر أعمالها الفنية الخاصة، أو الأخرى التجارية، حيث استطاعت في ثلاثينات القرن الماضي، وفي فترة يصعب أن تحظى خلالها المرأة بفرص كسب المال في مجال الفن، كانت مار قادرة على بيع صورها ونشرها في المجلات الفنية، بينما قدمت أيضاً معرضها الفني الخاص عام 1932.

    بيكاسو جديد

    التقت مار ببيكاسو في المرة الأولى في نهاية عام 1935، حيث كانت تعمل على بعض الصور الترويجية لفيلم رعب شهير لجون رنوار، وعلى الرغم من انجذابها الشديد للرسام الذي يكبرها بـ26 عاماً آنذاك، إلا أنه لم يتم تعريفها عليه إلا بعد ذلك بعام، حيث قدمها له صديقهما المشترك بول إيلوارد، في إحدى المقاهي التي يتردد عليها مثقفو وفنانو السيريالية آنذاك، وقد سرد حكاية لقائهما المشحون الكاتب جون بول كريسبيل، قائلاً: «كان وجه الشابة الجاد تنيره عيناها الزرقاوان الشاحبتان، اللتان كانتا تبدوان أكثر شحوباً تحت حاجبيها الداكنين، كان وجهها حساساً ومتوتراً، بينما تراقص الضوء والظل مروراً على وجهها. كانت لا تتوقف عن تمرير سكين رفيعة بين أصابعها فوق الطاولة الخشبية، وحين جرحتها السكين ولونت قطرة الدم الأزهار المطرزة على قفازها، طلب بيكاسو من دورا أن تعطيه القفاز، الذي احتفظ به في صندوق مقتنياته الخاصة». كانت مار قادرة على استفزاز مجموعة معقدة من المشاعر في بيكاسو، تلك الشابة ذات الملامح الجميلة والحزينة في آن واحد، بكثير من الذكاء والنقاشات المثيرة التي لا تتوقف، وبلسان إسباني شدَّه منذ اللحظة الأولى، الأمر الذي كان قادراً على تعزيز الحوار بينهما بلسان الفنان الأم، وعلى الرغم من مرور الكثير من النساء على حياته، إلا أن مار كانت واحدة من أكثر الملهمات اللاتي بقي أثرهن راسخاً فيه. «الشرارة الدراماتيكية» التي أحاطت بدورا مار، وشخصيتها المغوية المتلذذة بالألم كانت قادرة على أن تغذي الإلهام بداخل بيكاسو، الذي كان يعاني في تلك الفترة من انقطاع الوحي والشح الفني بعد انفصاله عن زوجته، وتوتر علاقته بعشيقته ماري تيريز وولتر وأم ابنته مايا، فكانت مار الشغف الجديد في حياته، بل وصفه البعض بعد بدء علاقتهما بأنه كان «بيكاسو جديد»، واستمرت العلاقة نحو عقد من الزمان، وكانت ثمرته العديد من الأعمال التي كانت انعكاساً لها أو تأثراً بها، مقدماً في تلك الفترة مجموعة من أهم أعماله الفنية.

    للإطلاع على الموضوع بشكل كامل، يرجى الضغط على هذا الرابط.

    طباعة