مرمّمة تعلّمت على يد أحفاد الفراعنة في كلية الآثار

نورة تزيل آثار الزمن عن مقتنيات لتكـشف تاريخ الإمارات

صورة

 

بحسّ وطني، وعشق خاص، تقضي المواطنة نورة الخوري، التي تعمل مرمّمة آثار، ساعات طويلة من يومها في معمل بدار الترميم بمنطقة الشندغة التاريخية في دبي، ليكون كشف أسرار الماضي طريقها، والحفاظ على كنوز تبوح بملامح من تاريخ بلدها هو العالم الذي وهبت له حياتها، ولا تريد الخروج منه، على حد تعبيرها.

تخصصت نورة في الترميم بعد دراسة أكاديمية استمرت سنوات، وتمارس مهنتها بإدارة التراث العمراني والآثار ببلدية دبي؛ إذ تعمل كل يوم، بصبر وحسّ فني، على ترميم مقتنيات أثرية يعود تاريخها لآلاف السنين لتغوص في عالم الأجداد الأولين، وتكون بمثابة الجسر الذي يربط بين الماضي والحاضر والمستقبل.

تعشق نورة، التي تصف نفسها بالجندي المستعد دائماً للنزول إلى ساحة المعركة في أي وقت، الترميم الأثري، وتؤمن بأنه مهمة وطنية في المقام الأول، لقدرته على اكتشاف كنوز الأمس، وإزالة التلف عنها، وإعادة الرونق إليها، بل وفك أسرار تعود إلى حقب زمنية سحيقة، ما دفعها لتأديتها بكفاءة عالية، ومهارة يشهد لها الجميع.

مفاتيح نجاح

وتقول نورة لـ«الإمارات اليوم»: «لقد عشقت الآثار وترميمها منذ صغري، ووجدت فيها عالمي الذي لا أريد أن أخرج منه، وبدأت خطواتي الأولى في هذا المجال منذ أكثر من ثلاثة أعوام بعد أن أتممت دراستي الجامعية بكلية الآثار المصرية، التي تعلمت فيها فنون ترميم الآثار الفرعونية، والمقتنيات الإسلامية، ثم قصدت دار الترميم بدبي للعمل فيها، ومنذ اليوم الأول لدخولي عالم ترميم المقتنيات الإماراتية، شعرت بحجم المسؤولية الوطنية التي أقدمت عليها».

وعن أهم المهارات التي يتصف بها المرمّم المحترف، تضيف نورة: «لابد أن يتسم المرمّم بالدقة الشديدة، والحسّ الفني، بجانب امتلاك مهارات التركيز والصبر وطول البال، إذ إن ترميم القطعة الواحدة يمكن أن يستغرق أياماً عدة، وربما أسابيع حسب درجة التلف التي تعرضت لها القطعة»، مشيرة إلى أن «إدارة الوقت وإدراك اللحظة المناسبة للتوقف عن ترميم القطعة الأثرية، حتى لا يتم تلفها أو تشويه معالمها، من أهم مفاتيح نجاح المرمم الماهر».

أخلاقيات المهنة

تشرع نورة الخوري في خطة الترميم بمجرد استخراج القطعة الأثرية، إذ تصورها من الاتجاهات كافة، ثم تعمل على إزالة الرمال من خلال عمليات التنظيف الميكانيكي، التي تستخدم فيها المشارط والفرشات المتباينة الأحجام والأشكال لتتكشف ملامحها، وتفصح عن أسرارها، موضحة أن التشخيص لمعرفة مدى تلف القطعة الأثرية المكتشفة هي المهمة الأولى للمرمّم، يعقبها وضع الخطة الترميمية المناسبة التي يتم اتباعها لتكون القطعة بعدها جاهزة للعرض المتحفي.

وتضيف نورة: «لمهنة المرمّم الأثري أخلاقيات يجب ألا نحيد عنها، وهي التي تفرض علينا الأسلوب والوقت والأدوات المستخدمة في عملية الترميم، ويجب أن يحرص المرمّم على تنمية مهاراته بشكل مستمر من خلال التطوير الذاتي والاطلاع المستمر على الدوريات العلمية الحديثة، والخضوع لدورات يقدمها خبراء المجال الذين يتم استقدامهم من الخارج، بجانب الحرص على المشاركة في المؤتمرات الدولية للوقوف على مستجدات المجال أولاً بأول».

أول قطعة

وعن شعورها عند ترميمها لأول قطعة أثرية إماراتية تجيب الخوري «ملأ صدري الفخرعند ترميم أول قطعة أثرية، وكانت تعود لآلاف السنين، وحينها أردت أن أخبر العالم كله بأن حضارتنا قديمة، وتضرب بجذورها في عمق التاريخ، وليست حديثة العهد كما يظن البعض، وبمجرد انتهائي من ترميم أول قطعة تسارعت ضربات قلبي ودمعت عيناي، وعرفت المعنى الحقيقي للنجاح، وبدأت رحلة عشقي لعالم الترميم الأثري، وانخرطت فيه، وتمكنت خلال ما يزيد على ثلاثة أعوام من ترميم الكثير من القطع الأثرية المتنوعة من الذهب والسيوف والخناجر والأسلحة القديمة والحلي من الخلاخيل والأساور والخواتم والأقراط التي تعود لجدودنا الأقدمين».

وتؤكد نورة أن «الرغبة الصادقة في الالتحاق والعمل في هذا التخصص من أهم عوامل نجاح المرمم الأثري في مهمته، إذ إنها وظيفة لا تصلح أن تكون بالتكليف أو بالتعيين لمجرد ملء شاغر فارغ»، منوهة بأن عملها يحتاج إلى حماسة ورغبة حقيقية لكي يستطيع صاحبه التميز والاستمرار، لذلك سخرت طاقاتها وجهودها كافة لاكتشاف وترميم المقتنيات الأثرية التي تعود للعصرين الذهبي والبرونزي من القطع الذهبية والحديدية والأدوات والأواني الفخارية والأسلحة القديمة والحلي.

وتابعت: «منذ اليوم الأول لدخولي عالم الترميم أدركت أهمية المهمة الوطنية التي فرضتها علي طبيعة مهنتي، لذلك أعتبر نفسي جندياً يجب أن يكون مستعداً دائماً للنزول إلى ساحة المعركة في أي وقت، فأحياناً ظروف عملي تفرض عليّ ساعات طويلة يومياً في مختبر الترميم؛ إلا أنني لم أشعر يوماً بالإجهاد أو الإرهاق أو الملل، فإيماني بأن عملي رسالة مجتمعية مهمة تدفعني إلى إنجاز مهامي على أكمل وجه، وبالشكل الذي يعبر عن حبي لوطني».

ساروق الحديد

وحول أبرز المواقع الأثرية التي شاركت في ترميم مقتنايتها، تقول نورة: «لقد شاركت في عمليات ترميم مقتنيات موقع ساروق الحديد، وهو أحد أهم المواقع الأثرية في الدولة»، مشيرة إلى أن إجمالي القطع المرممة التي شاركت في ترميمها، خلال السنوات الثلاث الماضية، وصل إلى 597 قطعة أثرية تتنوّع موادها ما بين حديد، وبرونز، ونحاس، وضمت مجموعة كبيرة من السيوف الحديدية والتيجان الصغيرة المصنوعة من الذهب والخناجر البرونزية.

أحلم بالمزيد من الأثريين

تتمنى نورة الخوري، أن تشهد السنوات المقبلة ارتفاع عدد المرممين الأثريين من أبناء الإمارات، وأن تحتضن الدولة المزيد من الكليات والتخصصات الأكاديمية التي تساعد على تخريج أجيال من الأثريين المدربين والمؤهلين على أيدي الخبراء الدارسين لكل علوم الآثار من التنقيب والترميم والرسم الأثري.

نورة الخوري:

- «مع ترميمي أول قطعة تسارعت ضربات قلبي ودمعت عيناي، أردت أن أخبر العالم كله بأن حضارتنا تضرب بجذورها في عمق التاريخ».

- «أعتبر نفسي جندياً يجب أن يكون مستعداً دائماً للنزول إلى ساحة المعركة في أي وقت، وأحياناً الظروف تفرض عليّ ساعات عمل طويلة».

597

قطعة أثرية منوعة

شاركت نورة في

ترميمها على مدى

السنوات الثلاث الماضية.