أعماله في «أيام غاليري» بدبي تستحضر الماضي للتواصل مع الحاضر
مهند عرابـي.. «بورتريه عائلي» لواقع مرير
لطالما شغلت الوجوه الدائرية أعمال الفنان السوري مهند عرابي، إلا أنه يأخذنا من خلال معرضه الأخير إلى عالم مختلف مع الوجوه التي يقدمها ضمن «بورتريه عائلي» الذي افتتح أخيراً في أيام غاليري بدبي.
|
بيئة أشار مهند عرابي إلى أن البيئة التي يعيش بها الفنان تؤثر في فنه، فالشق العاطفي مرتبط ببلده دوماً، على الرغم من التطور الثقافي والعمراني، ولكن اللوحة تقدم معنى جميلاً حول التواجد في مكان جميل في العالم، منوهاً بأن المجال في دبي مفتوح كالسماء، فهنا المتلقي والشعوب موجودون بكثافة كبيرة، والمدينة باتت مركزاً مهماً في الفن التشكيلي في المنطقة، وهذا يشكل تحدياً للفنان كونه يقدم الأعمال أمام متلق واع ومدرك لما يراه. ولفت في الختام الى كونه يفكر في المستقبل رغم ملامح الحزن الموجود باللوحة، فالضوء هو الأمل، والانعكاس الذي يرصده هو الضوء القريب، وهو بصيص الأمل. تكرار نفى عرابي أن يقوده البورتريه الى التكرار، حيث أكد أن البورتريه هو حالة تعبيرية، وكانت تقوم على الوجوه الدائرية والصور المبسطة في أعماله السابقة، إلا أنه انتقل الى تعبيرية واقعية لاحقاً، ثم بدأ في مرحلة البحث في اللوحة، فيبني اللوحة بشكل تجريدي وبعدها يتراءى الأشخاص أمامه. وشدد على أن الشخصية لديه تتراءى من خلال عاملين أساسيين: ما تظهره اللوحة، ومجموعة الأعمال التي تحكي سيرته، منوهاً بأن هذه المجموعة من الأعمال تبدو «بورتريه» لكنها تحمل الكثير من العمل على رصد الظلال، الأمر الذي اكتسبه من بيئة دبي. سيرة فنية ولد الفنان مهند عرابي في سورية عام 1977، ودرس الفن في جامعة الفنون في دمشق وتخرج عام 2000. فاز بجائزة الفنان الشاب في سورية عام 2006. قدم مجموعة من المعارض الفردية والجماعية في لندن وجدة وبيروت ودمشق وعمان ودبي. تميزت تجربة الفنان في بدايته في تركيزه على الوجوه ولاسيما الطفولية التي كانت تسيطر عليها الأشكال الدائرية. تطورت طريقة تعاطي عرابي مع الوجه والشكل، وكذلك الحالات التي يعكسها، فانتقل من الواقعية الى التعبيرية الواقعية. انتقل بسبب الأحداث السورية إلى العيش في مصر، أقام فيها فترة، ثم انتقل منذ أكثر من سنة إلى دبي، الأمر الذي أغنى تجربته الفنية وانعكس في أعماله وطرحه. |
يتغلغل عرابي من خلال المعرض دواخل النفس البشرية بتحريض الذاكرة على استرجاع لحظات قديمة، ليفصح عن الاحتمالات اللامتناهية للبشر عبر تفاصيل الوجه، فهو يسعى الى إيجاد صيغة تواصل مع الناس، وكأنه يضعنا أمام مرآة تظهر المشاعر من خلال الذاكرة التي تحركها الصور العائلية، فيعيد النظر في سيميائية الصور، ومفهومها والنماذج، وكذلك المعاني التي تحملها.
انتقل عرابي من سورية الى مصر ثم الى دبي بسبب الأحداث الأخيرة في سورية، ولعل هذا التنقل في الأماكن يقودنا إلى تفسير الحنين الذي يطغى على معرضه، فقد ابتعد الفنان عن أرضه وأهله، ولا يحمل من ماضيه سوى الصور. جسد الفنان موضوع الصور من خلال الوجوه التي يصورها في حالة التقاط صورة من كاميرا مصور محترف، جالسة بهدوء واستعداد، لكن تفيض من الوجوه مشاعر وانفعالات عدة، خصوصاً العيون التي تحكي الكثير عن تفاصيل أوجاع يومية وحياتية لا تنتهي، فالحزن الذي يخيم على وطن الفنان خيم على لوحات عرابي أيضاً من خلال الألوان الداكنة حيث يغلب الأبيض والأسود.
تحمل اللوحات لوني الأسود والأبيض وقد يكون سبب اختيار الفنان لهذين اللونين الماضي الذي يرصد صوره، والذي يحملنا الى الزمن الجميل حيث كانت العائلات تجتمع في صورة تذكارية واحدة، ولكن هذه العودة الى الماضي تمتزج فيها مشاعر الحزن والأسى من واقع مرير، فالأسود يعبر عن الحزن، بينما يأتي الخط الأبيض ليكون الهالة المريحة التي تمنح المشاهد فسحة من الأمل بالجميل القادم. لا يمكن أن تغيب عن المتلقي الوجوه المثخنة بالحزن والمآسي، وقد لا تحمل العيون الدموع، إلا أنها تبدو منهكة بالألم، فمسحة الحزن التي لطالما شاهدناها في أعمال عرابي تحضر في هذا المعرض بقوة، لتبدو كأنها تعبر عن حالة من الكآبة المتراكمة.
وعلى الرغم من الحزن المسيطر، وحالة الأمل المرجوة، نجد أن هناك عناصر إيجابية تمنح المتلقي الأمل في اللوحة، فينعش الفنان الروح بلوحة الفتاة التي تحمل باقتين من الورود الحمراء، بينما تتساقط بعض الورود على الأرض من كثرتها. هذا المشهد يجعلنا أمام انطباع نفسي للون الأحمر بمفهوم الحب، لا بمفهوم الثورة والموت، فاللوحة فيها لمسة من الحنان والحب والأمل. الى جانب هذا يركز الفنان على الأطفال، فهي فئة الصغار الذين يرمزون إلى المستقبل، كما أنه يحرص على تضمين المعرض الصور الشخصية التي تلتقط لجوازات السفر، وكأنه يريد بذلك رصد حالات الهجرة من وطنه.
وقال عرابي عن معرضه: «أقدم أعمالي بحسب الحالة التي أعيشها، فحضور الصورة مؤثر اليوم، ولاسيما أن الظروف الحالية جعلت للصورة تأثيرها المباشر ولاسيما من خلال وسائل التواصل الاجتماعي». وأضاف: «تتواجد الصور العائلية في منازلنا جميعاً، فالجميع كان يذهب للاستوديو لالتقاطها، فهذه الصور كنا نراها بشكل عام، لكن بعد السفر وبعد مرور السنوات، نشعر بالحنين حين ننظر إليها، ونتساءل عن هؤلاء الأشخاص ووجودهم في حياتنا، لذا يأتي المعرض كما لو أنه مذكرات».
وأشار إلى وجود حالتين أثرتا بالمعرض الذي قدمه، موضحاً أنها الحالة العاطفية التي ترتبط بالحدث الذي يعيشه أولاً، والحالة اليومية التي يعيشها من خلال تغيير مكان إقامته وتأثير المكان في عمله ثانياً، مبيناً أن تنقله بين ثلاث بلدان أثر كثيراً في رؤيته، فلكل بلد خلفيته. ونوه عرابي بأن التخطيط للمعرض يكون بسيطاً، لكن التنفيذ تقوده أمور كثيرة ترتبط بالظروف والحالة، مشيراً الى أن الأشخاص الذين يرسمهم يؤثرون في رؤيته وأسلوبه، فأحياناً يصبح الشخص كائناً موجوداً في حياته، وقد يحصل تجاذب كيميائي بينهما أو على العكس قد لا يؤثر به ولا يتحاور معه، لا بل وقد يتركه. ولفت الى أنه يركز على العيون، لأن العين تتحدث أصدق لغة، فالإنسان في لحظة ما يمكن أن يلتقط ما داخل المرء من النظرة ومن الضوء، فالبورتريه العائلي يعكس حالة جمعية أكثر من كونه يعكس العائلة السورية، فهو يرتبط بالحالة الانسانية، مشدداً على أنه يحب اللوحة التي تحمل الحنية ولا يحب اللوحة التي تحمل الشفقة، فهو فنان وليس لديه الحنكة السياسية ليجد الحل، بل الحيلة الفنية للتعبير عن الفكرة.
وحول علاقته مع العمل، قال عرابي «انها علاقة بناء مع الشخصية، أبدأ باللوحة من خلال مجموعة ألوان، أشاغب على اللون الأبيض كي أبدأ الحوار، وأحرضه ويحرضني، فعلاقتي مع اللوحة علاقة طويلة، نلعب سوياً، ونشاهد الصدف التي تقودني إلى أماكن أخرى، فهي كما الحديث الممتع الذي يأخذني الى مكان آخر، فالعمل بناء من طبقات وكلها ظاهرة في لوحاتي».
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news