يعرض «المعلقات» في أبوظبي تحية للشعر ولإعادة النظر في القديم المنسي

أدونيس: منذ الخمسينات نشهد تغيير أنظمة دون بناء مجتمعات

صورة

قال الشاعر السوري أدونيس إن «الحرب العالمية الثالثة» إسلامية - إسلامية، وعند مقارنة خريطة الوطن العربي بخريطة العالم ككل، نرى أن المنطقة الوحيدة التي بها حروب هي المنطقة العربية، موضحاً أن الوطن العربي يعيش في حالة حرب منذ قيام «إسرائيل» في المنطقة، وهي ما يسميها «الحرب العالمية الثالثة»، وهي تمر بموجات من الاشتعال والهدوء.

الرصاص والحب

https://media.emaratalyoum.com/images/polopoly-inline-images/2014/05/143062.jpg

رغم قتامة الوضع في العالم العربي في رأي الكثيرين، يرى أدونيس أن «صوت الرصاص قد يكون الأعلى شكلياً، ولكن يظل صوت الفن والحب والصداقة هو الأعمق، فصوت الرصاص عنفي وغير إنساني وضد الحضارة والتقدم، على عكس الفن والثقافة».

دمشق وبيروت

عن وصفه لبيروت بأنها مدينة غير مكتملة، اعتبر أدونيس أن أجمل ما في بيروت هو كونها غير مكتملة، فهي بمثابة مشروع منفتح، كل يوم يمكن رؤيته بشكل مختلف، على عكس دمشق التي تعد، بالنسبة له، مدينة كاملة مغلقة، ولذا لا يحبها. في حين وجد أن باريس مدينة مكتملة لكنها تمثل بؤرة حركية في العالم، مثل مدينة نيويورك، توجد فيها كل الجنسيات ما يجعلها ثرية من حيث البعد الخلاق والإنساني.

وقال أدونيس إن الفترة الأخيرة زاد فيها ابتعاد العرب عن الحضور الخلاق، وباتت المنطقة مجرد فضاء استراتيجي وثروات، مبيناً أن الصراع الدائر في المنطقة سطحي من أجل تغيير الأنظمة فقط، بينما الصراع الذي يحتاج إليه العرب هو الذي يؤدي إلى بناء مجتمع قائم على ديمقراطية حقيقية وعدالة اجتماعية، فالعرب يمارسون تغيير الأنظمة منذ الخمسينات، في المقابل الإلحاح على تغيير الأنظمة لم يغير شيئاً في المجتمع، وأوضح أن كثيرين كانوا ضد مواقفه السياسية من الثورة السورية في البداية، والآن يراجعون مواقفهم.

ويزور الشاعر السوري العاصمة الإماراتية أبوظبي حالياً بالتزامن مع إقامة معرضه الفني «معلقات»، الذي افتتحه، مساء أول من أمس، الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان، وزير الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، في «سلوى زيدان جاليري» في أبوظبي، بحضور المستشار بوزارة شؤون الرئاسة، زكي نسيبة، ولفيف من رجال المجتمع.

ويضم المعرض، الذي يستمر حتى 19 يونيو المقبل، 10 لوحات من الحجم الكبير، تتناول كل منها إحدى «المعلقات» الخالدة في تاريخ الشعر العربي، إلى جانب ما يقرب من 15 لوحة من الحجم المتوسط.

لماذا «المعلقات» الآن؟ في إجابته عن هذا السؤال، أوضح أدونيس، قبيل افتتاح المعرض، أن المعلقات بمثابة تحية منه للشعر العظيم الذي بدأ العرب ينسونه، بينما يعده من أهم الإنتاج الشعري في العالم، ولكن العرب لم يمنحوه هذه الأهمية، بالإضافة إلى ما يراه فيها من أبعاد وأعماق ومشكلات تتحدث عن عالمنا اليوم، إذ يمكن خلق حوار بين الناس، وبين الفرد وذاته والعالم عبر هذه المعلقات.. «أظن أن بها ما يضيئنا اليوم على أكثر من مستوى، بما يدفعنا لنعيد النظر في معنى الماضي والقديم».

وأضاف: «مشكلة الثقافة ليست في الفن أو الإبداع، ولكن في ثقافة القارئ، وتعد مشكلة القراءة من أهم مشكلات الثقافة اليوم، فنادراً ما نجد من يقرأ ببصيرته، بعد أن بدأ الناس يكتفون بالقراءة البصرية، وهي دلالة سيئة».

اتسمت «معلقات» أدونيس، التي استخدم فيها الحبر الصيني، ولم يدخل عليها خامات أخرى مختلفة كما في الأعمال السابقة له، بسيطرة اللون الأسود مع حضور محدود للون الأحمر. وتحوي كل لوحة منها إحدى المعلقات التي كتبها مجموعة من الشعراء الأكثر شهرة في زمانهم، لتتداخل كلمات القصائد مع تكوينات لونية وتخطيطات مختلفة.

تأكيده أن «أسوأ شيء هو شرح القصائد والأعمال الفنية»، لم يمنع أدونيس من تقديم بعض الإيضاحات أو المفاتيح لقراءة لوحاته، مشيراً إلى أن «المعلقات» تمثل تجربة مختلفة عن أعماله السابقة، فهي قائمة فقط على استخدام الحبر الصيني، حيث أراد فيها تغيير علاقته بالأشياء والعالم. وأضاف: «قبل البدء في رسم الأعمال، قمت بإعادة قراءة المعلقات، وعلى ضوء هذه القراءة نفذت التخطيطات، وبعدها كتبت النص الشعري، فالتخطيط سابق على كتابة القصائد، وهو مستمد من مضمون كل واحدة منها، ففي قصيدة زهير بن أبي سلمى، التي تتضمن الكثير من الحكم والأفكار الفلسفية، جاءت التخطيطات تشبه دوامة من الأسود والرمادي في إشارة للحيرة والتفكير، وفي قصيدة طرفة، هذا الشاعر الشاب الذي تم نفيه من قبيلته بقسوة، حملت التخطيطات المصاحبة لها مشاعر توتر وتمرد».

سيطرة اللون الأسود على اللوحات، التي قد ترتبط في ذهن المتلقي بالتشاؤم أو قتامة الواقع؛ يقدم لها أدونيس قراءة مختلفة «فالأسود بصر وبصيرة»، أما اللون الأحمر فهو وسيلة للإشارة إلى أشياء غير مرئية بالأسود وشد الانتباه إليها. موضحاً أن «الرقيمة»، وهي مفرد عربية، يستخدمها للإشارة إلى لوحة الكولاج، وهي مشتقة من الفعل «رقم» أو «رقن» الذي يفيد التشكيل وحتى التلوين، وبالتالي تعد المعلقات رقائم، حتى وإن اقتصر على استخدام الحبر الصيني دون غيره من الخامات التي استخدمها في أعماله السابقة.

وأرجع الشاعر السوري الحضور المتواصل للشعر في أعماله الفنية إلى أن الكلمة بالنسبة له جزء أساسي، فالقصيدة عمل تشكيلي، وليس هناك فاصل بين الشعر والرسم، والشعر العربي قائم على أبعاد متماسكة، منها البعد الهندسي في تكوين القصيدة، والبعد الموسيقي في إيقاعاتها، بالإضافة إلى الصور الشعرية التي تعنى التشكيل والرسم، «إذن الشعر جامع لكل الفنون، وأعتقد أن الشاعر الحقيقي لابد أن يكون لديه ثقافة شاملة: تشكيلية وهندسية وموسيقية حتى يقدم منتجاً مختلفاً، ويتمكن من الابتعاد عن الخيطية في بناء القصيدة ويعيد خلق عالم من العلاقات بين الكلمات والقارئ من خلالها».

رغم ذلك يرفض أدونيس الربط بين أعماله الفنية والخط العربي، مشدداً على أنه ضد الحروفية «فما معنى أن تكرر ما فعله ابن مقلة وغيره من الخطاطين الكبار؟ وهو سؤال يشبه تماماً التساؤل عما يمكن أن تكتبه في ظل المتنبي»، موضحاً أنه حتى نغني لغتنا الشعرية لابد أن نكون معارضين لما هو سائد، فالناس يحبون السير على الطريق العامة الواضحة، وعلينا أن ندفعهم لشق طرق خاصة بهم.

وأضاف: «الشعر والفن مثل الحب، ينتجهما الإنسان من أجل نفسه، فلا يمكن أن تحب شخصاً من أجل الآخرين، وعلى المستوى الفني أنت تؤسس علاقتك مع العالم حتى تفهم نفسك أكثر أو تفهم الآخرين والعالم أكثر، ثم تطرح قصيدتك لتصير لقاء ومكاناً للالتقاء وليست نوعاً من التبشير والدعوة، وفي كل قصيدة يقيم الشاعر علاقات لينتج صورة، إذن الرسم موجود ضمنياً في كل قصيدة، وتقديم أعمال فنية بالنسبة لي ليس مسألة حاجة إلى هذه الأعمال، ولكن ممارسة الفنون كلها تمثل تجربة تفيد في فتح مجالات أمامي، فبدل من أن أتحرك في متر أفتح أفقاً»، ويقول: «بالنسبة لي أحب الفن الذي يصدمني ويجعلني أقرأ العالم بشكل مختلف، أما الفن الذي يجعلني أطمئن إلى قناعتي فلست بحاجة إليه».

واعتبر أن أجمل ما في الفن أن حروبه داخلية وليست ضد أحد، ولذا يمكن للشعراء جميعاً أن يعيشوا في غابة واحدة، فالفن رمز للانفتاح على الآخر.

طباعة