رواية العراقي أحمد سعداوي وحكاية «اللي شو اسمه»

«فرانكشتاين في بغداد».. توابيت فارغة وواقع مفخخ

"الرواية " تنطلق من قلب المشهد العراقي الحافل بالتفجيرات والأشلاء والتوابيت التي تشيع ضحايا يوميا . رويترز

من قلب مشهد مفخخ، تنطلق حكايا «فرانكشتاين في بغداد»، للكاتب العراقي أحمد سعداوي، إذ تغوص الرواية في واقع تفوّق بمراحل على الخيال، فثمة مشاهد يومية حافلة بالتفجيرات والأشلاء والتوابيت الفارغة، التي تشيع متعلقات ضحايا لم تُبقِ منهم السيارات المفخخة ولو حتى بقايا بشرية.

«فرانكشتاين في بغداد» التي وصلت إلى القائمة الطويلة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، تشرع فصولها الـ19 لإدانة كل الجماعات المتصارعة على التراب العراقي، ولا تنسى أن تبوح بهموم من تمسكوا بالبقاء في الوطن، رغم الدم والموت اليومي المجاني، إلا أنهم أجبروا في نهاية المطاف على الرحيل، وباعوا البيت والذكريات، وربما الأمل أيضاً.

عن المؤلف

أحمد سعداوي، روائي وشاعر وكاتب سيناريو عراقي، من مواليد بغداد عام 1973. يعمل في إعداد البرامج والأفلام الوثائقية. صدر له «عيد الأغنيات السيئة» (شعر 2000)، وثلاث روايات: «البلد الجميل» (2004)٬ «إنه يحلم أو يلعب أو يموت» (2008)، و«فرانكشتاين في بغداد» (2013). حاز جوائز عدة، واختير ضمن أفضل 39 كاتباً عربياً تحت سن الأربعين، في مشروع «بيروت 39» عام 2010، كما شارك في ندوة الجائزة العالمية للرواية العربية (ورشة إبداع) للكتاب الشباب الواعدين عام 2012.

ينطلق «فرانكشتاين» العراقي من قلب المأساة، تصنعه الأحداث المأساوية، والأشلاء التي تتناثر في كل حيز، يتساوى في ذلك باحة مسجد أو كنيسة أو مكان مقدس، أو حتى حديقة عامة أو مقهى في شارع ما، إذ جمع أحد شخصيات الرواية الرئيسة (هادي العتاك) تلك الأشلاء، حتى كوّنت في النهاية ذلك المخلوق الذي يشبه الواقع، وفي ليلة ما تتلبّس ذلك الجسد، روح حارس أمني فقد الحياة هو الآخر أمام سيارة مفخخة يقودها «أحد الجهاديين»، ولا يكون لذلك الكائن اسم معين، فيطلق عليه «الشسمه» (الذي لا اسم له، أو اللي شو اسمه)، بينما تمنحه إحدى شخصيات الرواية اسم ولدها دانيال الذي ذهب للحرب ولم يعد منذ مطلع الثمانينات.

تتحول أسماء الضحايا في الرواية إلى شخصيات من لحم ودم، لهم قصص لم تكتمل، بترتها التفجيرات، وأجبرتها على الصمت، لكن مهمة المخلوق الجديد هو أن يفتح لها باباً للراحة، عبر الثأر والانتقام، ممن تسببوا في إزهاقها. والمفارقة أن ذلك «فرانكشتاين» يجمع في تركيبة جثته بين متناقضات، ضحايا من هنا ومن هناك، بعضهم ظالم وآخر مظلوم، وكلما انتقم لواحد تهرأ ذلك الجزء اللحمي المتعلق، ومطلوب من ذلك الكائن تعويض ما نقص منه، حتى اضطر هو الآخر لأن يقتل أبرياء، ويشترك في تلك الدائرة غير النهائية من القتل والقتل المضاد، بحيث تتوه المعالم، ولا يدري المرء، من سينتقم مِنْ مَنْ؟ وإلى متى سيستمر ذلك المسلسل الدموي؟ ومن المتحكم في كل ذلك؟

تغوص رواية «فرانكشتاين في بغداد» في النزيف العراقي، ولا تنجو من شراك السياسة وجدالها أحياناً، تجد شخصياتها نفسها متورطة في تلك المتاهة، تحاول أن تنقذ ذاتها ولا تستطيع: فبائع «الأشياء القديمة والتحف والأنتيكات» يجد نفسه دون اختيار يلملم أشلاء حتى تصير في النهاية كائناً غريباً، والصحافي الشاب صاحب القلم المتميز تقوده الظروف إلى سلطة «المتابعة والتقيب»، ويجد ذاته روحاً تائهة، تودع أحلامها الكبيرة والصغيرة أيضاً، ليكون كل همها النجاة والفرار من مصير مفخخ.

ومن أجواء الرواية: «ظل يمشي دون تفكير باتجاه ساحة الأندلس، كان يوماً عجيباً، لقد سمع في تلفزيون المطعم أن انفجارات كثيرة حصلت خلال اليوم، في مناطق الكاظمية ومدينة الصدر وحي المنصور والباب الشرقي، ظهرت لقطات تلفزيونية للجرحى والمصابين في مستشفى الكندي ثم لقطات أخرى لساحة الطيران، أثناء ما كان الإطفائيون يغسلون المكان، وتوقع هادي أن يرى نفسه في ركن محل الأدوات، وهو يدخن بهدوء مثل مجرم يتابع آثار جريمته. ثم ظهر ناطق باسم الحكومة يتحدث ويبتسم ويرد على أسئلة الصحافيين، مؤكداً أنهم أفشلوا مخططات الإرهابيين لهذا اليوم، فحسب المعلومات الاستخبارية كان هناك 100 هجوم بسيارات مفخخة خططت للقيام بها عناصر (القاعدة)، وفلول النظام السابق، إلا أن قيادة قوات التحالف والأجهزة الأمنية العراقية أحبطتها جميعها، ولم تكن سوى 15 تفجيراً فقط!».

 

 

طباعة