بالارد تناولت العلاقة الشائكة بينهما في أمسية بـ «كتــّاب أبوظبي»

الاكتئاب والإبداع.. توهج وانطفاء

بالارد: العلاج الكيميائي قد يسبب فقدان المبدع للحالة الإبداعية. تصوير: إريك ارازاس

هل هناك ارتباط بين الاكتئاب والإبداع؟ وما الفرق بين الاكتئاب والحالات النفسية المشابهة له؟ وما تعريف الاكتئاب نفسه؟ هذه الأسئلة والإجابات عنها كانت موضوع الأمسية التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات فرع أبوظبي، مساء أول من أمس، وتحدثت فيها الروائية والأخصائية النفسية الأميركية، جودي بالارد، عن ارتباط الإبداع والمبدعين بالحالات النفسية، ومن بينها الاكتئاب.

وأوضحت بالارد، خلال الأمسية التي قدمها وترجم لها الدكتور معن الطائي، ان «الإبداع هو حالة من السعي للخلق والابتكار، تتميز بالمثابرة والجهد، وهي تعبير عن الانفعالات الداخلية لدى الشخص المبدع، إذ يعمل على الإمساك بها، وإخراجها بشكل فني جمالي، وكثيراً ما يتطلب الإبداع حالة من الانطواء والعزلة، وهي أعراض تتشابه مع اعراض الاكتئاب، وهو ما يدفع كثيرين إلى الربط بينهما».

وأضافت بالارد ان الاكتئاب يختلف عن حالة الهوس او التوهج التي تنتج عن مرض الاضطراب ثنائي القطب، الذي يتم الخلط بينه وبين الاكتئاب كثيراً، فـ«الهوس هو توهج عقلي يشعر معه الإنسان بتدفق كبير للأفكار والصور، ويحاول ان يفرغ هذه الطاقة بالتعبير عنها، وهي حالة لا تدوم طويلاً وتنتهي بالتحول إلى النقيض تماماً، فيصاب الشخص بالانطفاء التام نتيجة للإجهاد الذي يصيبه جراء حالة التوهج الشديد، الذي قد يفوق طاقاته الجسدية أحياناً».

أشارت الروائية والأخصائية النفسية إلى ان «من يعانون الهوس يمتلكون طاقة متوهجة وإبداعاً غير عادي وسرعة بديهة لافتة، لكن عندما يختلون بأنفسهم يعانون اكتئاباً قوياً حتى يمكن وصفه بأنهم (يحرقون أنفسهم) خلال دورة التوهج والخمول، التي قد تكتمل خلال شهر او سنة، او مدد تختلف من شخص لآخر، وهناك شخصيات معروفة لديها حالة التوهج، مثل النجمين روبن ويليامز وروبرت دي نيرو».

واعتبرت بالارد ان «البحث في اسباب الاكتئاب وصل إلى حد مبالغ فيه، فباتت المعاهد ومراكز البحث تقوم بالعديد من الأبحاث التي تحاول اكتشاف اسباب جديدة للاكتئاب تبدأ من سلوك الأب والأم، ولا تنتهي بتأثير المشروبات الغازية المخصصة للحمية والخالية من السكر، إذ ذكرت دراسة انها قد تؤدي إلى الاكتئاب لدى المسنين، وكثير من هذه الدراسات لا يمكن رفضه او تأكيدها.

في المقابل، هناك أبحاث جديدة تعتمد على الجانب التشريحي للدماغ، تظهر شكل الدماغ بين نصفين، أحدهما مصاب بأمراض نفسية مقارنة بالسليم، ويظهر السليم مغطى بنقاط مضيئة مثل الألعاب النارية، بينما تنطفئ هذه النقاط في النصف المصاب، كما اشارت هذه الدراسات إلى ان الاكتئاب من أعقد الحالات التي يصاب بها الإنسان».

ولفتت بالارد إلى ان هناك أعراضاً تبدو مشتركة بين الإبداع والاكتئاب، من بينها ما تفرضه الحالة الإبداعية على صاحبها من انغلاق وانعزال عن العالم الخارجي، والانكفاء في عالمه الداخلي، والاستغراق في التأمل الذي يدفعه إلى ايجاد حالات وصور اشكال فنية يخرجها في ابداعه. كما يهتم المبدع بفضل ما يتمتع به من حساسية مفرطة للمؤثرات من حوله، بفهم الدوافع والأسباب خلف كثير من الأحداث التي قد تمر سريعاً على الآخرين من دون ان يتوقفوا أمامها، وهذه الحالة التأملية أيضاً تعد من اعراض بداية حالة الاكتئاب حيث تصيب صاحبها بالانعزال عن العالم. وأوضحت ان هناك مبدعين كباراً على مستوى العالم كانوا يعانون الاكتئاب، مثل فان جوخ، وسلفادور دالي، وغيرهما.

وذكرت بالارد ان العلاج الكيميائي قد يسبب فقدان المبدع للحالة الإبداعية، وعدم القدرة على الوصول إلى الأفكار العليا التي يستلهم منها ابداعه، إذ تؤدي العقاقير إلى إخماد العقل وجره إلى المنطقة الوسطى، التي تقع بين حالة الاكتئاب من جهة وحالة الفرح المبالغ فيه من ناحية اخرى، وفقدان التوهج الذي يقود إلى الإبداع، مشيرة إلى ان لجوء البعض لتناول الكحول او المخدرات للخروج من حالات الاكتئاب، يزيد من تأثيرها، نظراً إلى أن الكحول والمخدرات من المواد المثبطة التي تضاعف تأثير الإصابة.

ودعت إلى الحذر في استخدام وصف الاكتئاب «إذ اصبح كلمة شائعة الاستخدام لدى كثيرين لوصف حالات يمرون بها يومياً، وهو وصف غير دقيق، فالاكتئاب حالة مزاجية دائمة وليست عابرة، ولها اعراض ونتائج علمية دقيقة، وتختلف القابلية للإصابة بالاكتئاب من شخص لآخر وفق حالته النفسية والذاتية، ودرجة حساسيته للمؤثرات المحيطة به. وقد تكون زيادة حساسية المبدع للمؤثرات الخارجية مقارنة بغيره، سبباً في زيادة قابليته للإصابة بالاكتئاب، إلى جانب وجود اعراض اخرى لا يمكن تجاهلها او تفادي تأثيرها مثل الوراثة والجنس، فمعدلات الإصابة بالاكتئاب بين السيدات توازي ضعف المعدلات بين الرجال». وبينت بالارد ان هناك طرقاً لتفادي الإصابة بحالات الاكتئاب من اهمها اتباع نظام حياة صحي، والتغذية الصحية، والنوم بعدد ساعات كافٍ خلال اليوم، وممارسة الرياضة، بالإضافة إلى الاستعانة بمجموعات الدعم، وهي مجمعات تشترك في اهتمامات معينة مثل الكتابة او الرسم او غيرهما من الأنشطة، مع الاستمرار في عملية الإبداع.

طباعة