«أنا وحدي».. لا طعم للحياة دون رفاق - الإمارات اليوم

مسرحية للأطفال تبتعد عن القالب الوعظي

«أنا وحدي».. لا طعم للحياة دون رفاق

صورة

بتوليفة جديدة تعتمد على عناصر من الطبيعة، رياح وأمطار وشمس، تمكنت مسرحية «أنا وحدي» من كسر القالب التقليدي، أو كما يعرف بالقالب الوعظي، من خلال الاشتغال على خيال الطفل وتقوية مداركه، عبر نص بسيط يدعو إلى الاتحاد والتكاتف، ورؤية اخراجية متجانسة مع النص، تركز على أن كل المخلوقات في الكون لا تستطيع العيش بمفردها، وإن رغبت في ذلك، مبرزة أن الحياة لا طعم لها من دون رفاق وأصدقاء.

واستطاع مخرج مسرحية «أنا وحدي»، سمير خوالدة، تقديم عمل شيق يستحق الوجود في مهرجان الإمارات لمسرح الطفل، الذي يستمر حتى ‬27 من الشهر الجاري، على مسرح قصر الثقافة بالشارقة، وذلك من خلال تحقق العناصر الفنية الجيدة في هذا العمل الذي عرض في ثاني أيام المهرجان، كما كان نص العمل للمؤلف منصور عمايرة متميزاً، بحسب مسرحيين ومتابعين شاركوا في الندوة التطبيقية التي تلت العرض.

«الجنة بلا ناس ما تنداس»، مثل يلخص فكرة «أنا وحدي» لمسرح دبا الفجيرة، التي تعزز أن بالإنسان بطبيعته لا يقدر أن يعيش وحيداً، يعتزل الآخرين، بل حاجته إلى وجود الصحبة أمر طبيعي وفطري، شأنه شأن معظم المخلوقات التي لا تستطيع العيش بمفردها، بل إنها تعتمد على بعضها البعض في التعايش في هذه الحياة.

غريب

موهبة

لفت الطفل الموهوب محمد عبدالله راشد، الذي أدى دور (غريب) في مسرحية «أنا وحدي» الأنظار، واشاد بموهبته المشاركون في الندوة التطبيقية التي تلت المسرحية، لدرجة ان البعض شجع الطفل بالتصفيق الحار ليساعده على مواجهة بعض الهفوات كنسيان حوارات، غير ذلك يعد هذا الطفل بحسب مسرحيين شاهدوا العرض موهبة تستحق الاهتمام والاحتواء.

ولم تسلم الموسيقى، على الرغم من جمالها، من النقد، إذ ان معظم الأغنيات المصاحبة للمشاهد كانت بصوت نسائي، والذين يؤدون الحركات الاستعراضية هم رجال، الأمر الذي اعتبره مخرج العمل سمير خوالدة مسموحاً به «كوننا نتعامل مع الأغنية مسرحياً وليس درامياً».

كما اعتبر مسرحيون أن العمل زاوج بين المسرح الراقص والأوبريت الغنائي.

تدور مسرحية «أنا وحدي» حول طفل يعيش وسط أصدقائه الذين لا يستغنون عنه، بل ويعتمدون عليه في معظم جلساتهم، كونه أحد اعضاء الفرقة الموسيقية في القرية، فتارة يعزفون الموسيقى التي يؤلفونها، وتارة أخرى يرقصون ويلعبون، كما انهم يعيشون تفاصيل الحياة اليومية، فيساعدون في جمع المحاصيل وسقاية النباتات، حتى جاء يوم قرر فيه الطفل (غريب) أن يعتزل أصدقاءه، ويعيش بمفرده خوفاً على ألعابه التي يفضل أن يحتفظ بها لنفسه، ولا يتشاركها مع أحد من أصدقائه.

يبدأ المشهد الأول للمسرحية بمجموعة من الأطفال يجلسون على عشب اخضر ورؤوسهم منكسة، وكأن مصيبة ما حلت بهم، حتى كسر حاجز الصمت الطفل (غريب) الذي يؤدي دوره الموهوب الصغير محمد عبدالله راشد، إذ أعلن بكل جرأة أنه سيعتزلهم، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، إذ إنه لن يلعب معهم، ولن يشاركهم ألعابه، إضافة إلى أنه سينسحب الفرقة الموسيقية التي ينتمي إليها، فلن يعزف أو حتى يرقص، أو يلهو معهم بعد الآن، ووسط محاولات أصدقائه دفعه إلى التراجع عن قراره إلا انه بقي متشبثاً برأيه، وكأن أحداً لم يتحدث إليه أصلاً.

في تلك الأثناء، حاول أصدقاء غريب تذكيره بما اعتادوا ممارسته معاً، بل إنهم باتوا مثل الإخوة من شدة الترابط والالتحام، ففي تلك الزاوية كانوا يغنون ويرقصون، وفي الأخرى كانوا يتعاونون على انجاز الأعمال اليومية، كما باتوا يذكّرونه بصداقتهم التي يفترض أن تستمر، وبحاجتهم إلى عزفه ضمن فرقتهم، إلا أن هذا الحديث كان لا يصل إلى أذني غريب الذي صد محاولاتهم، وأكد لهم أنه يفضل اعتزالهم نهائياً، والابتعاد عنهم والبقاء وحده من دون وجود أشخاص في حياته.

بداية

بدأت رحلة غريب مع الوحدة التي فضلها على اصدقائه، إذ سار وحيداً حاملاً معه مجموعة من ألعابه التي اعتقد أنها ستفي بالغرض، وتساعده على نسيان أصدقائه، وفي تلك الأثناء هبت رياح عاتية أفقدت (غريب) توازنه، وما أن استجمع قواه حتى تعرف إلى «الريح»، التي أدى دورها الممثل عبدالله مسعود، وشاهد كيف هي تتنقل في مجموعات من مكان إلى آخر ترسم السعادة على الوجوه التي تنتظر عودتها بفارغ الصبر، فالريح تحن للمكان الذي تزوره فتعاود زيارته مرات كثيرة، فهي لا تستطيع العيش وحيدة كما فعل (غريب) مع أصدقائه.

وبعد ان ذهبت الريح، تساقطت قطرات المطر على (غريب) أثناء استغراقه في اللعب، فينضم إلى قطرات الماء ويرقص ويغني معها، ولأن المطر يتساقط في مجموعات يصعب ان يعيش وحيداً، لاسيما انه يرسم البهجة والفرح في نفوس الناس، وما إن توقف المطر حتى برزت الشمس التي بدورها ترسل أشعتها لتدفئ جميع الناس. ووقف (غريب) حائراً أمام صراع الريح وقطرة الماء التي لم تعترف بجميل الريح التي لولاها لما تجمعت السحب، وتكونت الأمطار وتشكلت قطرات الأمطار، وبدورها الشمس حاولت ان تبتعد عنهم، إلا ان (غريب) تمكن من مصالحتهم جميعاً، وأيقن أن جميع المخلوقات هي في حاجة الى بعضها البعض لتستمر الحياة.

في المشهد الختامي للمسرحية، يدور صراع داخلي بين غريب وضميره الذي يوبخه لتركه أصدقاءه وهم في أشد الحاجة إليه، كما انه يشعر بالوحدة الشديدة بعيداً عنهم، فصار يتذكر أصدقاءه وما كانوا يفعلونه في السابق من أمور تجلب الفرح. وفي النهاية يقرر العودة إليهم من جديد، لأن الحياة لا طعم لها من دون الرفاق.

فكرة موفقة

اعتبر مسرحيون ومشاركون في الندوة التطبيقية التي تلت عرض مسرحية «أنا وحدي» أن العمل متكامل من ناحية العناصر الفنية، إذ تمكن المخرج من تكثيف النص والحوارات بين الشخصيات، كما استطاع المؤلف تقديم توليفة مميزة لعناصر من الحياة (الريح وقطرة الماء والشمس)، التي قدمت دعوة صادقة للتكاتف والتعاضد.

ورأى المشاركون في الندوة ان الموسيقى المصاحبة للعرض كانت موفقة، وهناك استغلال لفضاء خشبة المسرح التي كانت شبه خالية من السينوغرافيا الضخمة، من خلال إدارة حركة الممثلين والراقصين، مشيرين الى أن الإخراج والإضاءة والموسيقى تعد أبطال العمل، لاسيما أن المسرحية تجاوزت فكرة التلقين الوعظي المقحم في بعض الأعمال.

وحول الرقصات التي كانت تؤديها مجموعة مختلطة من الراقصين، من بينهم ذكور كانوا يؤدون حركات استعراضية ارتبطت برقصات الفتيات، اكد المخرج سمير خوالدة ان الرقصات غير مرتبطة بجنس محدد، وتحديداً التي كان مصاحبة للعمل، إذ إن الحركات الراقصة بحد ذاتها لا يمكن اعتبارها أنثوية، إنما هي حركات تعبيرية مرتبطة بالمشهد التمثيلي.

طباعة