28 دولة وفرق فنية وندوات أكاديميــة في الـدورة الثانيـــــة من المهرجان

الفجيرة تحتضن الربابــة

«مهرجان الفجيرة» يسعى إلى إعادة حضور الربابة في المشهد الموسيقي العربي. تصوير: محمد منور

انطلقت، أول من أمس، فعاليات الدورة الثانية لمهرجان الفجيرة الدولي للربابة بمشاركة عازفين وفرق فنية وأكاديميين من 28 دولة عربية وأجنبية، ويستمر الحدث الذي أقيم حفل افتتاحه قرب قلعة الفجيرة، على مدار أربعة أيام متتالية وتختتم اليوم. المهرجان الذي افتتحه الشيخ راشد بن حمد بن محمد الشرقي، رئيس هيئة الثقافة والإعلام بالفجيرة جذب لمحيط قلعة الفجيرة عشاق هذا الفن الأصيل، في أمسية أحيتها فرقة «المهابيش» الأردنية ذائعة الصيت في مجال فنون العزف الشرقي عموماً، والآلة ذات الوتر الوحيد خصوصاً الربابة.

مشهد مختلف

 

على الرغم من أن المكان هو نفسه الذي احتضن فعاليات بطولة السيف، التي استضافها على مدار أكثر من شهر كامل سفح قلعة الفجيرة، إلا أن الديكور والإخراج الفني مزجا مؤشرات الحداثة بالمعاصرة لتبدو كأنها مسرح مختلف تم إعداده خصيصاً ليتواءم مع ليالٍ باردة طقساً، ودافئة بموسيقى الربابة التي أمتعت حضور الليلة الافتتاحية للحدث الذي لم يخف كثيرون اندهاشهم، حينما أعلنت هيئة الفجيرة للثقافة والفنون اعتزامها إفراد مهرجان خاص للربابة التي تم تصنيفها على أنها آلة موســيقية في طريقها إلى التـــقوقع في ذاكرة النســـيان.

التداعيات المعنوية لمعاني الدفاع ضد الغزاة، والقتال من أجل حماية الأرض والعرض التي يثيرها مفهوم «القلعة»، لم يتناقض مع الصبغة الحالمة لمعزوفات الربابة، واكتست قلعة الفجيرة حلة وردية هذه المرة، متأثرة بمؤثرات ضوئية وفرت ظلالاً مثالية لإثارة المخيلة بإبداع اعتبره البعض «من الزمن الجميل»، فيما أشارت الندوات الصباحية إلى أن «هذا الزمن الجميل إن تمثل بإبداع عازف الربابة فإنه من الممكن أن يعود، في ظل جهود توالي دورات هذا المهرجان».

وأكد سيد الضوي أن «إبداع الربابة والأشعار المرتبطة بها غير قابلة للضياع، وكما حفظ الشاعر عبدالرحمن الأبنودي آلاف الأبيات من السيرة الهلالية، فإن هناك مئات من أمثال الأبنودي ممن يقومون بالفعل نفسه في مقامات مختلفة، ما يعني أن المترافقين: الشعر الشعبي والربابة، لن يموتا».

مدير عام بلدية الفجيرة محمد سيف الأفخم، أكد المعنى نفسه، معتبرا أن «المراهنة على إحياء الربابة لا تعني سباحة ضد تيار الحداثة في الموسيقى، بقدر ما تعني محاولة حقيقية للحفاظ على الإرث، في مقابل تشوهات استنساخ لكل ما هو غربي في هذا المجال»، لافتاً إلى أن لقاءات مبدعي الرباب والأكاديميين من شأنها أن تسهل الوصول إلى حلول تلين عبرها الربابة لشروط اللحن والإيقاع المعاصرين.

الفجيرة التي بدت في حال تناغم قبيل وأثناء المهرجان الفريد من نوعه، في ما يتعلق بتلك الآلة التي ارتبطت بالشعر والشاعر العربي على مدار قرون طويلة، شهدت أيضاً حالة من التناغم بين هيئات رسمية مختلفة، من أجل إنجاح الحدث تنظيمياً، كمقدمة لإنجاحه فنيا. حالة التناغم نفسها امتدت إلى المسؤولين الذين جمعهم السعي إلى إنجاح المهرجان، وبدا مدير الديوان الأميري في الفجيرة محمد سعيد الضنحاني متواصلاً مع الضيوف والإعلاميين، الذين وفدوا من دول خليجية وعربية عدة، لتغطية تفاصيل المهرجان. وأكد مدير عام بلدية الفجيرة محمد سيف الأفخم، أن «كل الجهود قبيل وأثناء المهرجان يتم تسخيرها لإنجاح هذا الحدث الذي يأتي في سياق انفتاح الفجيرة على مختلف مناحي الثقافة والفنون، في مواءمة بين التراثي والحداثي منها».

وقال الأفخم لـ«الإمارات اليوم»، إنه على الرغم من أن الأحداث والفعاليات الفنية المختلفة أصبحت تولي عناية كبيرة بمختلف قوالب الإبداع الثقافي والأدبي والموسيقي، فإن هناك حالة تغييب غير مقصودة لفن العزف على الربابة، على الرغم من دورها المهم كآلة رافقت الشعر العربي وحفظته من الضياع قروناً طويلة، مشجعة ومسهلة تداوله وحفظه واستدعاءه في مناسبات ثقافية واجتماعية كثيرة».

موروث فني

لفت الأفخم إلى أن طموح إقامة المهرجان لا تأتي في سياق توفير مساحة للالتقاء مع مبدعين من 28 دولة، تجمعهم الربابة فقط، بل أيضاً البحث عن حلول لحماية الموروث الأدبي والفني المرتبط بالربابة، من خلال العديد من الندوات وورش العمل التي يشارك فيها أكاديميون وومارسون لفن العزف على الربابة، عبر موضوعات متنوعة تتطرق إلى مراحل تطور الربابة، بما فيها تلك المرحلة التي شهدت بوادر تقلص حضورها، وارتباطها بالحس الجمعي والخيال الشعبي، ومن ثم تعدد أنماط الإبداع عبرها وتنوعه، بما في ذلك استعراض التجارب المختلفة في هذا السياق .

وأضاف الأفخم «هناك طموحات مشتركة بين مبدعين وأكاديميين، نسعى إلى ترجمتها كأحد أهم أهداف هذا المهرجان، وهو أن يتم التوصل إلى تلك الحلقة السحرية المفقودة التي تربط بين الربابة كآلة موسيقية تراثية، واللحن والإيقاع الحديثين، وفي حالة توافر الشروط الإبداعية التي تحكم هذا الفن بكل إحالاته إلى الموروث سيكون بمثابة طوق نجاة من مرحلة استسهال نسخ كل ما هو غربي، وتقديمه في صور مشوهة لا ترقى إلى نسخته الأصلية، ولا تنسجم مع التقاليد الفنية الشرقة، لاسيما في ظل فوضى الفضائيات التي أعلنت نفسها متخصصة في مجالي الشعر والموسيقى».

شاعرية

الحفل الافتتاحي الذي قدمته الإماراتية الشابة شيخة المسماري التي انضمت أخيرا إلى مذيعات «الفجيرة إف إم»، أخذ أيضاً نبرة شاعرية في تنقلاته بين الفقرات المختلفة، وعلى الرغم من الإعلان عن اعتذار الشاعر المصري الشهير عبدالرحمن الأبنودي، الذي يعد أحد أكثر الشعراء ارتباطاً بالربابة بسبب اهتمامه بالسيرة الهلالية، قد حمل جواً من الإحباط، إلا أن الكلمة المصورة للشاعر الذي منعته حالة مرضية حرجة من مغادرة منزله في مدينة الإسماعيلية المصرية، جاءت بمثابة مسوغات اعتذار مقبولة، ضمنها الأبنودي آراء وخبرات مهمة حول آلة الربابة وعمق ارتباطها بالموروث الشعبي.

فرقة «المهابيش» الأردنية التي استهلت بعزف جماعي فعاليات الحفل والفقرة الرئيسة منه، أخذت الحضور بشكل عملي إلى جماليات العزف على الربابة مثيرة الكثير من التساؤلات حول أسباب غياب هذه الألوان الموسيقية المتنوعة التي تعزفها أنامل خبيرة، من خلال آلة ذات وتر وحيد معتمدة على سحرية إيقاع تلك الآلة ومهارة أنامل العازف وخصوبة مخيلته في آن واحد.

«المهابيش» التي يستعان بأعضائها غالباً في تصوير مشاهد من مسلسلات وأعمال تلفزيونية بدوية هي أيضاً لامست جمهوراً مختلفاً أبدى إنصاتاً واهتماماً وتفاعلاً من نتاجها، فيما سعت شاشة تلفزيونية عملاقة إلى رصد بانوراما متنوعة من ألق الربابة التي استدعتها الفجيرة .

الفنان المصري المعمر سيد الضوي الذي نوه بدوره الأبنودي في ما يتعلق بمرافقة الربابة لأشعار السيرة الهلالية، أشاد بدور المهرجان في دعم حضور الربابة في ظل هجمة العديد من الآلات الموسيقية الغربية، لكنه أبدى تفاؤله في الوقت ذاته بمستقبل الربابة، وقال لـ«الإمارات اليوم»، لقد حملت ربابتي وسافرت بعيداً في دول عدة، أكثرها غربية بدعوات رسمية يسعى أصحابها إلى استحضار فنون العزف على الربابة، وجئت هنا مشاركاً في مهرجان دولي للربابة، وعلى فترات متقاربة كنت أسافر إلى دول عربية وخليجية للغرض نفسه، أما في بلدي في أقصى صعيد مصر، فالأفراح الشعبية لا تكتمل إلا بحضور صاحب الربابة، وكلها محطات تؤكد أن الربابة العربية لن تموت».

وعلى الصعيد الأكاديمي، عقدت صباح أمس، ندوات عدة، أولاها بعنوان «من الرباب إلى الكمان»، تحدث فيها من تونس د. أنيس القليبي، ومن السعودية د.موسى عسيري، فيما تحدث في ندوة أخرى بعنوان «التنوع الإيقاعي للربابة في دول المشرق العربي» الصحافي والباحث المصري حسام عبدالهادي، والباحث الأردني ومنسق عام المهرجان الأردني سامي الباسلي، ليكون الحضور مساء على موعد متجدد طيلة أيام المهرجان، مع معزوفات مختلفة على وتر الربابة.

طباعة