رواية ميرال الطحاوي المرشّحة لـ «البوكر الــعربية»

«بروكلين».. الغربــاء وأرق الحنين

ميرال الطحاوي.. 4 روايات ومجموعة قصصية واحدة. أرشيفية

ليس في السفر فوائد كثيرة، ولا في الغربة وصفات سحرية لتحقيق الأحلام، إذ لم يخلَص قرار الرحيل عن الوطن، والهروب إلى الطرف الآخر من العالم، بطلة رواية «بروكلين هايتس» للكاتبة ميرال الطحاوي من أوجاعها، بل ظلت روح البطلة (هند) على سفر دائم إلى ذكرياتها، سيما بعد أن عاشت واقعاً مرّا في بلاد العم سام، جعلها تحنّ إلى ماضيها في قريتها النائية في دلتا مصر.

قد تصدم «بروكلين هايتس» المرشحة لجائزة البوكر العربية، كثيرين من الحالمين بالهجرة إلى أميركا، فالرواية ترسم صورة واقعية لعوالم الغرباء الخفية، وتسرد شهادات لشخصيات متخيلة من أصقاع الأرض تلاقت في منطقة بروكلين بمدينة نيويورك، ويصور قلم الكاتبة المصرية ميرال الطحاوي يوميات مهاجرين يأكلون بالكوبونات، ويبحثون عن إعانات لدى مكاتب اللاجئين، وينامون في مساكن غير آدمية، ويقتاتون على الحنين إلى ذكريات الأوطان الاولى، ويدفنون بعيداً عن الأحبة.

أعمال

ميرال الطحاوي روائية مصرية، حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة القاهرة، وتعمل استاذة زائرة بعدد من الجامعات الأميركية منذ عام ،2006 صدرت لها روايات: «الخباء»، و«نقرات الظباء»، و«الباذنجانة الزرقاء»، ومجموعة قصصية وحيدة بعنوان «ريم البراري المستحيلة». وترجمت أعمالها إلى عدد من اللغات، وحازت ميرال جوائز أدبية عدة، كان آخرها جائزة نجيب محفوظ للرواية التي تمنحها الجامعة الأميركية في القاهرة، وروايتها الأخيرة «بروكلين هايتس» الصادرة في أكثر من طبعة في 278 صفحة تتنافس مع خمسة أعمال أخرى للفوز بجائزة البوكر العربية في مارس المقبل بأبوظبي.

http://media.emaratalyoum.com/inline-images/346925.jpg

وظّفت ميرال الطحاوي وعي بطلة روايتها جيداً، فهند (التي تحلم بأن تصبح كاتبة شهيرة)، تلتقط حكايا كثيرة تدور حولها، وتسردها داخل العمل الذي يحفل بقصص كثيرة لشخصيات هامشية عدة اجتمعت في «بروكلين هايتس»، واللافت أن أغلبيتها كانت أصواتاً نسائية، ففاطيما الصومالية، الشابة ذات الملامح الخلاسية التي تحلم بأن تصير مثل نعومي كامبل، كل ما استطاعت الوصول إليه هو العمل بائعة في محل صغير. أما إميليا الروسية، ونازهات البوسنية، وليليت المصرية، وغيرهن، فتحمل كل واحدة منهن قصصاً خاصة، تبرز جانباً من السلوك الإنساني. ولا تغيب الأصوات الذكورية عن العمل، وإن قلت مقارنة بنظيراتها النسوية، ومن أبرز تلك الشخصيات سعيد سائق الليموزين المصري، وعازف الكمان ناراك الأرمني، ونجيب الخليلي صاحب محل «حلو العريس» والقادم من إحدى قرى نابلس الفلسطينية، والحالم بالعودة إليها يوماً منذ عام .1954

مكانان وزمانان

تنتقل الرواية بسلاسة بين مكانين وزمانين مختلفين، بروكلين الأميركية، في مقابل تلال فرعون المصرية، وتمزج بين حاضر البطلة وماضيها، فالوحدة والتمزق وسلسلة الهزائم ممدودة، بداية من مرحلة الطفولة، مرورا بالمراهقة والشباب، وصولا إلى مرحلتها الأخيرة وهي فترة منتصف العمر التي تراكمت فيها هموم هند، خصوصا بعد سفرها إلى الولايات المتحدة الأميركية، إثر تجربة زواج فاشلة، خرجت منها بطفل وحيد، ورصيد من خيانات الزوج مع أقرب الصديقات إليها، وفي الغربة «تركض (هند) حاملة وحدتها، وحقائب عدة، وطفلا يستند عليها كلما تعب من المشي، ومخطوطات عدة لحكايات لم تكتمل تضعها في حقيبة صغيرة على ظهرها مع بقية الأوراق المهمة، مثل: شهادات الميلاد، أوراق الإقامة، وشهادات التخرج، وشهادة اللقاحات الطبية من الأمراض، وشهادات الخبرة، وبعض اوراق بنكية، وعقد إيجار لشقة لم ترها».

تثير رياح الحنين التي تهب على بطلة «بروكلين هايتس» هند، ذكريات كثيرة، فتستعيد في تيهها الأميركي الجديد، فصولا من حياتها، بداية من المكان الأول الذي شهد ميلادها فتاة وحيدة وسط خمسة ذكور، في إحدى القرى المصرية، لأب يحمل شهادة في المحاماة، ويرفض خيار السفر، رغم هجرة معظم أصدقائه، وتبدل الأمور من حوله، إلا أنه يرى في بقائه وسط أبنائه الغنى الحقيقي، الأب «يمر احيانا لتفقّد نعاس أطفاله في أغطية صارت شاحبة وبالية، وتنهد وهو يفرك أصابعه من القلق، في الصباح يجلس وسط بيته الذي امتلأ بالصبيان والبنات، ويتقافزون حوله، وهو يؤكد لنفسه صحة قراراته (حد يترك هذه النعمة من أجل حبة فلوس).. لم يسافر حتى بعد أن صارت البلدة كلها على سفر، وتناثر الناس الذين يعرفهم، بعضهم في العراق وبعضهم في الخليج، وتطوحت على حبال الغسيل فوق البيوت، ألوان البطانيات المورقة التي تأتي من الخارج.. ناعمة وممتلئة بالدفء والرخاء.. لكنه كان يبتسم لمشاهد التغير في حركة الحقائب التي تروح وتجيء من أماكن بعيدة. يدخل إلى حجرته بعد أن يقول: (اللي تأتي به ريح الشام، تأخذه ريح اليمن)» . وتفصل البطلة موقف الأب من الرحيل، في شكل أقرب إلى المساءلة لذاتها، التي آثرت خيار الغربة والرحيل، بل وتمنته منذ طفولتها، إذ كانت تحلم بأن تصير في المستقبل مضيفة طيران، تجر حقيبتها في مطارات العالم، وتلف ارجاء الدنيا، أو حتى عالمة فضاء، فالتحليق كان حلمها منذ طفولتها.

ذكريات

لا تنفصل ذكريات الماضي في حياة هند عن صور حاضرها، فحين تحاور طفلها الوحيد، تلاحظ أنها تستخدم القاموس ذاته الذي كانت أمها تستخدمه، منذ زمن بعيد، ولذا تسترجع هند حياة الأم وحكاياتها معها، ومحاولات الترويض التي حاولت أن تخضعها لها، لكن البطلة كانت صاحبة «دماغ ناشفة»، ولم تنفع معها محاولات الأم.

تروي هند تفاصيل عالمها الأول، والتحولات الاجتماعية والفكرية التي طرأت عليه، وعلى شخصيتها كذلك، فهند ذاتها مرت بكثير من المراحل، مرحلة «الإسدال» والبحث في الكتب الفقهية عن الحلال والحرام، والتفتيش في التفاسير عما يجوز للمرأة وما لا يجوز، وبعد ذلك خلعها الحجاب، والبحث في الكتب أيضاً عما يبيح لها ذلك، وتعلقها بالكتابة، ورسائلها الغرامية إلى ذاتها.

وكما تتحول البطلة من حال إلى أخرى يتحول المجتمع، فالقرية البسيطة التي كانت تعيش فيها تبدلت معالمها، واختلفت أحوال ساكنيها، بعد أن اجتذبت «نداهة» الغربة كثيرين، فـ«الست الخياطة» مثلا، صارت«حاجة» تتاجر في البضائع المجلوبة من الخارج، وتزوج فتيات القرية لسعوديين، ومدرس اللغة العربية عاد من اليمن داعية يبكي الناس بخطبه ومواعظه، ومدرس الرسم هو الآخر صار يحث الطلبة على رسم المناظر الطبيعية فقط دون سواها.

«بروكلين هايتس» رواية تتحرك في عالمين ثريين، مملوءة بالتفاصيل، لكل شخصية فيها مأساتها الخاصة التي نسجتها الكاتبة ميرال الطحاوي باحترافية، ومزجتها بدراما حياة البطلة في ماضيها وحاضرها، فهند تهرب من خيباتها في مصر، لتفاجأ بأخرى في اميركا، حاملة همّ صغيرها الذي تتركه كل صباح يصحو ويجهز حاجياته قبل ذهابه إلى المدرسة وحيداً، وتذهب هي وحيدة إيضا إلى وظيفتها عاملة نظافة في مقهى صغير.

طباعة