«خبر تونس» قوبل بتصفيق لم يشهده أي عرض آخر

«السلوقي» الإماراتي يختتم مهرجان المسرح العربي

«السلوقي» واحدة من العلامات الفارقة في الاشتغال المسرحي الإماراتي. أرشيفية

حتى ساعة متأخرة من ليل يوم أمس، كانت انتفاضة الشعب التونسي هي الحديث الأبرز للمسرحيين العرب، فما حدث هناك استُقبل بفرحة عارمة، وفي بيروت وجد العشرات من المسرحيين العرب مناخاً ملائماً للتعبير عن مواقفهم مما حدث بصوت مرتفع.

خبر تنحي الرئيس التونسي زين العابدين بن علي قوبل بتصفيق لم يشهده اي عرض مسرحي آخر، على خشبة مسرح بيروت ردد المسرحيون العرب خلف المسرحي التونسي وحيد العجمي ما قاله الشاعر التونسي أبوالقاسم الشابي ذات يوم «إذا الشعب يوماً أراد الحياة..».

مهرجان المسرح العربي الذي اختتم فعالياته، أمس، بالعرض الإماراتي «السلوقي»، وهو من تأليف اسماعيل عبدالله، وإخراج حسن رجب، انتفض هو الآخر بعد خيبات مسرحية متلاحقة، وكانت عروض اليومين الأخيرين بمثابة رد الاعتبار للمسرح العربي من خلال عدد من العروض المميزة، التي تركت انطباعاً مؤثراً عند الجمهور الكبير الذي يتابع العروض.

«المرايا» و«السلوقي»

اليوم الأخير من المهرجان تمحور حول عرضين رئيسين الأول للمسرحي اللبناني روجيه عساف الذي قدم عرض «مدينة المرايا»، ومسرحية «السلوقي) الإماراتية التي تعتبر واحدة من العلامات الفارقة في الاشتغال المسرحي الإماراتي، النص الذكي الذي أعده اسماعيل عبدالله عن رواية الكاتب الروسي ميخائيل بوليغاكوف باحثاً في البنية الوجودية للإنسان وعلاقته بالسلطة التي تصير في أحيان كثيرة قادرة على حيونة الإنسان، أو أنسنة الحيوان، في هذا العمل الذي تصدى له إخراجياً حسن رجب وفق رؤية ذكية تشتغل على الفراغ والصور التي تتشكل فيه. سيبدو رجب في هذا العرض صاحب قراءة إضافية للنص الذي يقوده إلى حالة من الحراك المستمر التي يصنعها رجب ليس على مستوى حلوله البصرية بل من خلال اعتماده على كوكبة من الممثلين المحترفين والشباب أمثال: ابراهيم سالم، هدى الخطيب، عبدالله مسعود، حميد فارس،أمل محمد، حسن البلوشي.

مع عرض «مدينة المرايا» يعود روجيه عساف إلى الخشبة بعد سنوات من الانقطاع، يعود مؤلفاً ومخرجاً وممثلاً ليروي لنا حكاية تمتد من بيروت إلى القدس. عاد الحكواتي مرة أخرى، لكن هذه المرة ليكرم الرسام العالمي الأرمني الفلسطيني اللبناني بول غراغوسيان، وليلقي الضوء على أشلاء المرايا المتبقية من مدن ممزقة، وذكريات مبتورة لشعوب مقهورة. فكان العمل عبارة عن توثيق لسيرة غراغوسيان من خلال لوحاته التي جسدت ثلاث مآسٍ و هجرتين، بدأت بتركيا وانتهت في لبنان مروراً بفلسطين.

في هذا العرض المونودرامي سنكون مع عدد كبير من لوحات غراغوسيان التي كانت تعرض على شاشة قسمت إلى ثلاثة في عمق الخشبة، حيث امتزجت مع وثائق فوتوغرافية قديمة، ووقائع المنطقة التاريخية، ومقتطف من حديث مسجل للفنان الراحل. كانت اللوحات والمقاطع المسجلة تتقاطع مع المشاهد و كأنها تروي لنا مع عساف سيرة آهات متوالدة و متكررة. فنرى أن الصمت كان يتملك الخشبة بألوانه ولوحاته. ولكنه ما يلبث أن يتراجع وتتدفق الموسيقى إلى الجدران. وإذ بنا أمام لوحة موسيقية منبثقة من ألوان ريشة بول «الموسيقى مجموعة من الصور»، فنسمع سوناتا لشوبان يستوقفه الناي، ثم صوت امرأة تغني لطفلها حتى ينام.

الليلة السابقة

الليلة التي سبقت يوم الاختتام قدمت لجمهور المهرجان جرعة مسرحية مميزة. فالعرض الكويتي «تتانيا» كان موفقاً في تقديم فرجة تعرض الصراع الدائر بين القوى الدينية الظلامية وحركة تطور المجتمعات. حملت هذه المسرحية مضمومناً مميزاً وحاملاً دلالات كثيرة، لكن مؤلف العمل بدر محارب أخد العرض إلى أقصى درجات التغريب، نافياً عن بيئة العمل أي ملمح أو إشارة إلى المنطقة العربية، مستبدلاً الشيخ بالقس، والفضاء العربي بفضاء غربي كامل. لكن استطاع هذا العرض أن يكون موفقاً في بنيته البصرية وفرجته ومهارة الممثلين الذين كانوا بقيادة المخرج عبدالعزيز صقر.

«سيليكون»

من سورية جاء عرض «سيلكون» لفرقة المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق. هذا العرض الذي اضحك الجمهور كثيراً قدم مراجعة لواقع اجتماعي مهترئ، يحكمه الزيف والنفاق من خلال قصة بسيطة تنطلق من احتفالية زوجين بعيد زواجهم العاشر لتكون هذه المناسبة التي يحضرها عدد من الأصدقاء مناسبة للتعرية ومراجعة كل تلك السنوات المخيبة التي كان شعارها الفصام والكذب على الذات، ميزة هذا العرض الذي أعده وأخرجه الممثل عبدالمنعم عمايري عن فكرة للفنانة أمل عرفة، أنه لطلبة المعهد المسرحي، وهي بمثابة فرصة مميزة لتقديم مجموعة من الشباب الذين ظهروا بأفضل حلة ممكنة، واستطاع عمايري من خلالهم المضي في عرض صالح للفرجة الجماهيرية من دون التفريط بجماليات المسرح، وأساسياته إذ كنا أمام مجموعة من الحلول الإخراجية البسيطة والدلالية، التي جعلت من الخشبة على درجة عالية من الحيوية والقدرة على استقطاب الجمهور طيلة مدة العرض.

«ينعاد عليك»

قدم العرض التونسي اللبناني المشترك «ينعاد عليك» الكثير مما يجعله تجربة مسرحية حميمة تروي حكاية زوجين من بلدين عربيين مختلفين. يضعنا العرض أمام رحلة حياة كاملة، مواجع وهموم إنسانية تبدأ ولا تنتهي، خصوصاً حين نكون امام المحاولات الفاشلة للزوجين في العودة إلى مدينة هيلسنكي التي تركا فيها ولدهما الوحيد. لم يلجأ هذا العرض إلى أي استعراضات فنية مبالغ فيها، كان التركيز على المهارات التمثيلية وقدرة الممثل على الحكي وسرد التفاصيل التي كانت مدعومة بحلول إخراجية بسيطة تنقل العمل عبر الأمكنة والاختلالات النفسية المركبة. يشبه هذا العمل ورشة مسرحية جمعت وحيد العجمي بيارا أبوحيدر، الانطلاق من فكرة بسيطة تتشظى وتتفرع لعرض سلسلة من المصائر في فضاء سينوغرافي بسيط الأدوات لكنه حافل بالدلالات والرموز التي منحت درامية العمل بعداً بصرياً غني الأبعاد والتفاصيل.

أيام مهرجان المسرح العربي انقضت، لكنها حملت في تفاصيلها مؤشرات كثيرة إلى وجود خلل كبير في بنية المسرح العربي بصورة عامة؛ ثمة أوراق مختلطة، وآفاق محدودة، ورؤية ضبابية لما يمكن فعله لإعادة الاعتبار لهذا الفن النبيل، كل هذه الأشياء ستبحثها الهيئة العربية للمسرح، هذه المؤسسة العربية الوليدة التي تحمل على كتفها حملاً ثقيلاً، وتسير على درب وعر وصعب، وعلينا الانتظار الأشهر المقبلة للتعرف إلى الاستراتيجية التي يعمل عليها نخبة من المسرحيين العرب، الذين سيجتمعون في أكثر من بلد عربي، وصولاً إلى اجتماعهم الختامي الذي سيكون في الشارقة، نهاية العام الجاري، لوضع صياغته وإقرار رؤيته النهائية.

طباعة