رواية الكاتب السوداني أمير تــاج السـر هل تصيد «البوكر العربية»

«صـائــد الـيـرقـات».. رحلة تطهّر مبتورة

«صائد اليرقات» الرواية العاشرة في مسيرة تاج السر. الإمارات اليوم

رحلة تطهّر مبتورة، وحلم خلاص مجهض، ونصف رغبة في التغيير، وسلطة تتحكم بخيوط عرائس «الماريونيت».. ملامح عريضة تلخص سيرة بطل حكاية «صائد اليرقات»، الرواية المتميزة للكاتب السوداني أمير تاج السر، والمتنافسة مع خمس روايات أخرى للفوز بجائز البوكر العربية التي ستعلن نتيجتها النهائية في مطلع مارس المقبل في أبوظبي.

بلغة شاعر، ومهارة سارد متمرس، يصحب مبدع «صائـد اليرقـات» المتلقي إلى عالم روائي آسر، حافل بالعديد من النماذج الإنسانية ذات الألوان المختلفة، إذ لا وجود لذوي الأقنعة الجاهزة لـدى أمير تاج السر.. شخوصه يطلون بأكثر من وجه، بعيداً عن رتابـة اللون الواحد، خيراً كان أم شريراً، فبطل «صائد اليرقات» مثلاً، شخصية ثرية متطورة، صاحبة حالات، شكليا وشعوريا أيضاً، بصـورة تجعل القارئ يميل إليها، فيتعاطف مع ضعفها البشري، ويغفر لها خطايـا الماضي في مرحلة ما من الحكاية، لكن ينقلب عليها في أخـرى، خصوصاً حين تعود تلك الشخصية إلى سيرتها الأولى، وتحنّ إلى الحياة في المستنقع القديم.

يدخل المبدع والطبيب السوداني أمير تاج السر في «صائد اليرقات» الصادرة عن «ثقافة للنشر والتوزيع» في أبوظبي، ومنشورات الاختلاف الجزائرية، يدخل إلى دهاليز أكثر من عالم في المجتمع السوداني، الواقع الأمني المخابراتي، والعيون المتلصصة على خصوصيات البشر، والتي تحاول النفاذ إلى ما بين الجلد واللحم، تحت دعاوى الحفاظ على أمن الوطن، كما تعري الرواية الواقع الثقافي، وتكشف عن عوار المعقود بنواصيهم التغيير، من حملة الأقلام والأدباء والكتاب وغيرهم من المثقفين.

أدعياء

يسخر قلم صاحب «توترات القبطي» من مناخ ثقافي مختل، ومن واقع عام أكثر اختلالاً في مجتمعه، يرسم صوراً كاريكاتورية لأباطرة وأدعياء في ميادين الأدب والثقافة، ينتقد ــ بشكل فني - الشللية والمجاملات الفارغة التي جعلت كثيرين ينالون ألقاباً لا يستحقونها، وحولت الكتابة إلى مهنة من لا مهنة له، من الباحثين عن وجاهة ما.

تتناسل الحكايات في «صائد اليرقات» التي ربما تصيد «البوكر العربية».. فالبطل يبحث عن مادة كتابية، ومفاتيح ومؤهلات تجعله جديراً بالدخول إلى رحاب الثقافة، فيحاول الإفادة من تجارب كاتب شهير، ويقرأ رواية داخل الرواية، ويفتش في من حوله عن شخصيات تصلح أن تكون أبطالاً لمحاولاته الجديدة، يتعقب ماضيها، ويفتش في دفاترها عن أمور تساعده على كتابة قصة مشوقة. والكاتب الشهير يبحث هو الآخر عن مناطق بكر، وحكايات وشخصيات طازجة تثري عالمه القصصي، ولذلك تتعدد القصص داخل العمل في شكل متآلف، جعلته موهبة أمير تاج السر ومقدرته السردية حكاية واحدة متعددة الأطراف، إن جاز التعبير.

ملامح كثيرة في «صائد اليرقات» تستوقف مطالع الرواية، بداية من عنوانها اللافت، إذ المعهود أن الذي يصاد هو الفراشات الملونة، أو حتى الحشرات، وليست تلك الأجنة المحفوظة داخل شرنقات، وما يطلق عليه اليرقة، ثم ما قيمتها، هل هي الرغبة في إجهاض أي فكرة قبل خروجها، واقتناص أي حلم من قِبل المتسلطين قبل أن يرى النور، ربما ذلك بعض ما قصده تاج السر.

حجم «صائد اليرقات» (148 صفحة) هو الآخر ملمح لافت، ففي الوقت الحالي راجت الأعمال الملحمية والمطولات القصصية، والراويات التي تتجاوز مئات الصفحات هي ما يتصدر الواجهة حالياً، حتى في الأعمال المرشحة للبوكر، لكن يبدو أن تاج السر ينتمي إلى حساسية مختلفة، وتتلبسه روح شاعر تعرف قيمة الكلمة، وتنأى عن الثرثرة، وهو ما ظهر جلياً في لغة الرواية.

قرار

«لحم الوطن»

بعد استفتاء الجنوب الذي يجرى حالياً في السودان، ترى هل يصير الجنوبيون ذكرى في الأدب السوداني؟ وهل ستفقد العاصمة الخرطوم طيفاً مهماً من أطيافها؟ وهل ستخلو عوالم الرواية من تلك السحنات المميزة، ذات الأساطير والحكايات الجميلة، التي حضرت في أكثر من عمل للكاتب أمير تاج السر؟ ففي رواية «زحف النمل» يفتح أكوي شاويش الجنوبي، باب العاصمة للقروي أحمد ذهب، ويساعده على تحقيق حلمه. وعلي جرجار بطل رواية «العطر الفرنسي» لتاج السر يقول عن الأطياف التي يجمعها حي في العاصمة «.. ومهما كانت تلك الأفواج الغريبة، ومهما كثرت أعدادها وتشعبت إلا انها كلها من لحم الوطن، قد تكون من الشمال أو الجنوب، أو الوسط.. لكنها في النهاية تتبع لذلك الجسد الوطني العريض..». يشار إلى أن أمير تاج السر ولد عام ،1960 وحصل على بكالوريس الطب من جامعة طنطا في مصر، ويعمل طبيباً حالياً في قطر، وظهرت رواياته الأولى التي بعنوان «كرمكول» عام ،1988 ثم توالت بعد ذلك روايات «سماء بلون الياقوت»، «نار الزغاريد»، «عواء المهاجر»، «صيد الحضرمية»، «مهر الصياح»، «زحف النمل»، «توترات القبطي»، «العطر الفرنسي»، وكتابا سيرة هما «مرايا ساحلية»، و«سيرة الوجع»، وديوان شعري بعنوان «أحزان كثيرة».

https://media.emaratalyoum.com/inline-images/340924.jpg

ذات صباح، يصحو يوماً بطل «صائد اليرقات» فيقرر ان يكون كاتباً روائيا، عبدالله حرفش أو عبدالله فرفار، كما لقب صغيراً، رقيب أمني متقاعد، بعد حادث مأساوي، اخذ ساقه الطبيعية، وأعطاه أخرى خشبية، لم تكن رغبة حرفش في الكتابة محبة في الأدب، أو محاولة لتكفير سيئات الماضي عبر الاعتراف، بل كانت ربما حنيناً إلى كتابة التقارير الأمنية بصورة مختلفة، او اكتساب شهرة نالها كثيرون بعد أن طرقوا ذلك الميدان، يقول حرفش في مستهل الرواية «سأكتب رواية. نعم سأكتب. لابد أنها فكرة غريبة حقاً، حين ترد إلى ذهن رجل أمن متقاعد مثلي.. لكنها لن تكون غريبة أبداً، وقد قرأت أخيراً في عدد من الصحف والمجلات التي وقعت بيدي واستطعت قراءتها بلا تعجل، أن بائع ورد بنغالياً في مدينة نيس الفرنسية كتب رواية عن الورد بطلتها امرأة من المهاجرات الإفريقيات ظلت تشتري الورد الأحمر 20 عاماً من محله، من دون أن تغير لونه، وتخيل البائع أنها تبعثه إلى حبيب ضائع في حرب بشعة. ونسج قصته عن ذلك الإسكافي الفقير في رواندا، حين كتب رواية عن الحرب الأهلية في ذلك البلد الفقير، لم يكتبها حتى مشعلو الحرب أنفسهم. وبائعة هوى تائبة في سايغون كتبت روايتين رائعتين عن حياتها القديمة حين كانت نكرة في زقاق مظلم، والجديدة حين أنشأت مصنعاً صغيراً لحلوى النعناع، والآن تترجمان إلى كل اللغات، وينبهر بهما القراء».

ردة

شعشعت الفكرة في ذهن رجل الأمن ــ سابقاً، ولاحقاً في نهاية الرواية ــ رغم أنه لم يقرأ في حياته سوى كتاب عن السحر، وآخر عن عادات الزواج، ولم يقـف أمام مكـتبة إلا ليراقب، او يكتب تقريراً عن «مشبوه» من المثقفين، أو ملاحق من قبل الأجهزة الأمـنية.

كان طوق النجاة لحرفش أن يتتبع خطى روائي شهير يجلس في مقهى في العاصمة السودانية الخرطوم، وسط جماعة من المشبوهين: «شعراء متأنقين في سراويل وقمصان زاهية، وشعراء حفاة حتى من صنادل ممزقة، صحافيين يائسين، وسياسيين يدخنون ويرطنون ويتصارعون ويرسمون للناس وطناً يخر غير الوطن الذي نعيش فيه ونعرفه، ونحبه بكل حسناته وعيوبه، ودائماً ثمة نساء يتحلقن حول الضجيج، او يسهمن في خلقه بضحكات كثيراً ما رسمناها على تقاريرنا الأمنية باعتبارها ضحكات أفاعٍ».

يجلس حرفش على هامش حلقة المثقفين، يتعرف إلى بعضهم، لا يعيرونه انتباهاً، يخطئون دوماً حتى في نطق اسمه، يقدم نفسه على أنه صاحب محاولات أولى، وحين يطلع حرفش الروائي الشهير على محاولة كتبها، يقول له الأخير إنها أشبه بتقرير أمني، وليست مقدمة تصلح لرواية. يعثر حرفش على شخصيتين تصلحان لدوري بطولة في حلمه الكتابي، يخط حكايات عنهما (زوج عمته، مدلك فريق كرة قدم، وحفار قبور كرمته السلطات)، ويطلع الروائي الشهير عليها، يشجعه الأخير، ويصف ما عثر عليه أخيراً بأنه مثل اليرقات التي تحتاج إلى وقت كي تصير كائنات. تتوثق العلاقة بين حرفش والكاتب، تتعدد اللقاءات، ويكشف حرفش لصديقه عن ماضيه وحاضره ورغبته الشديدة في التغيير، يختفي الكاتب فجأة، يفتش عنه حرفش، يتهمه في خياله بأنه سيسرق بنات أفكاره، وسيخرجها في مشروعات روائية جديدة.

يستدعي مدير جهاز الامن، حرفش، يخبره بأنه سيعود إلى الخدمة ويمارس عمله القديم في كتابة التقارير، والمفارقة أن المهمة الأولى لرجل الأمن العائد إلى مهامه القديمة كانت مراقبة الكاتب الشهير، ورصد حركاته وسكناته، يتخلص حرفش من نواة مكتبة كونها في منزله، ويرمي الكتب أو «البيض الفاسد»، على حد تعبير الرواية. يقابل حرفش الكاتب الشهير الذي ظهر بعد حين، يسأله حرفش عن مشروعه الروائي الجديد، خشية أن يكون قد سطا على بطليه، يطمئنه الكاتب ويفاجئه في الآن ذاته، إذ لم يقترب قلمه من المدلك ولا من حفار القبور، وإنما اختار حرفش نفسه مادة لعمله الجديد، كاشفاً له أنه قد أهدى إليه الرواية، لكنه عدل في نهايتها، بحيث يعود حرفش إلى عمله كاتب تقارير أمنية، وليس حالماً بكتابة رواية.

طباعة