أشعار حمدان تختتم «ملتقى دبـي للشعر الشعبي»

حمدان بن محمد ألقى قصائد من أحدث إبداعاته أمام 2000 من متذوقي «النبطي». تصوير: مصطفى قاسمي

كعادة سموه مع الامسيات الختامية لمهرجان دبي للشعر الشعبي، ألقى سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم جانباً من أحدث إبداعاته الشعرية، مختتماً فعاليات أربع أمسيات كبرى، شكلت قوام الدورة التاسعة للمهرجان الذي كان أبرز مفاجآته إطلاق سموه مبادرة أدبية جديدة، يتكفل عبرها بطباعة 100 ديوان شعري مسموع ومقروء لأبرز شعراء الشعر الشعبي في الخليج العربي، فضلاً عن تولي تسويقها والترويج لها على النحو اللائق.

 مرحلة جديدة

قال رئيس اللجنة العليا المنظمة لملتقى دبي للشعر الشعبي ماجد عبدالرحمن، إن «الدورة التاسعة مثل ختامها بداية لمرحلة جديدة من مراحل مهرجان دبي للشعر الشعبي، سيكون فيها الملتقى أكثر قرباً من البيئة الشعرية على مدار العام، وفق توجيهات سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد راعي الملتقى».

وأضاف لـ«الإمارات اليوم» «المبادرة الأدبية التي أطلقها سمو الشيخ حمدان بن محمد سوف تكون فارقة في مسيرة حضور الشعر الشعبي خليجياً وأبعد أيضاً من نطاق وجوده التقليدي»، كاشفاً عن «إطلاق مسمى (أدبية) على المبادرة دون تخصيصها بالاهتمام بالشعر الشعبي، يعود إلى أن هناك اتجاهات لأن تكون المبادرة مظلة لفنون إبداع أدبية أخرى، حسب توجيهات سموه، بعد إنجاز الأهداف المتعلقة بفن الشعر الشعبي»، وأكد عبدالرحمن أنه من الناحية الفنية، فإن الدورة الأخيرة هي الأنجح بين دورات المهرجان السابقة، مضيفاً ان «الملتقى شهد تطوراً كبيراً في المنتج الإبداعي سواء من حيث الشكل أو المضمون، وتم الكشف خلاله عن أحدث نتاجات عدد من أهم شعراء «النبطي» في الخليج العربي، فضلاً عن الحضور الشعري المميز لسمو الشيخ حمدان كأحد أهم هؤلاء الشعراء، والكشف عن المبادرة الأدبية الرائدة لسموه»، مشيراً إلى أن تشريف سمو الشيخ ماجد بن محمد وسمو الشيخ منصور بن محمد كان بمثابة إثراء آخر للملتقى هذا العام.

وأشار عبدالرحمن إلى أن الخيمة التي استضافت الملتقى هي الثانية من نوعها في العالم من حيث الحجم، منوهاً بأن تزايد عدد الحضور على نحو غير متوقع هو الذي دفع اللجنة المنظمة إلى الاستعاضة بمقاعد وشاشات عرض خارج الخيمة لاستيعاب العدد غير المتوقع، مؤكداً أنه سيتم تدارك هذا الأمر في الدورات المقبلة.


وتفاعل سمو الشيخ حمدان بن محمد بشكل لافت مع قصائد شعراء الأمسية الأخيرة، وهم مساعد الرشيدي من السعودية، وسعيد بن دري الفلاحي من الإمارات، وعلي بن معيض المري من قطر، قبل أن يوجه سموه أعضاء اللجنة المنظمة للحدث بالصعود إلى منصة الإلقاء الشعري، بعد أن قام بتكريم الشعراء، لالتقاط صورة تذكارية مع سموه، في مؤشر اعتبره رئيس اللجنة الشاعر ماجد عبدالرحمن «دلالة على رضا سموه عن المستوى الفني والتنظيمي للحدث»، مضيفاً «بعد أن انتهت الفعاليات وغادر سموه أرض «الملتقى»، تلقيت اتصالاً مختزلاً من سموه، لكنه كان شديد الأثر الإيجابي في نفسي، قال عبره مفردة وحيدة هي «شكراً».

أيقونة الختام

وكأن أشعاره هي أيقونة الافتتاح والختام، عادت إبداعات حمدان لتكون الكلمة الشعرية الأخيرة في الحدث حيث ألقى سموه قصيدة قدم فيها صوراً شعرية متفردة مزج عبرها بين العام الإنساني والخاص العربي، وأيضاً الذاتي، فشعره مداواة لجروح البشرية، وسير على درب الإبداع العربي الأصيل، وفي المستوى الثالث الذاتي استرسال لمآثر الآباء والأجداد برغم إقراره بأن الشعر ليس بصانع المجد حتى وإن صيغت حروفه بالنفيس من المعادن:

الشعر ديوان ماضي عربنا والأداة

التي كانت توضح لنا عاداتها

دايما من يكتبه إيتمنى من قراه

التبحر في القصيدة عبر كلماتها

انا ما قلته اطمع لشهرة من وراه

قلت اداوي جروح البشر واهاتها

كيف يطمح فيه واحد ذِكِر جَدَه واباه

إصنعت مكانته من عظم وقفاتها

قبل أن يستأنف سموه في موضع آخر :

ليس مثلي من قصيدة ترفع مستواه

لو من اللولو والمرجان صغت أبياتها



ليستطرد سموه عبر صيغة استفهامية يوجهها إلى مخاطب متخيل ، قبل أن يصل في البيت الذي يليه إلى التقرير الشعري ملقياً :

السؤال اللي يراودني على كل اتجاه

عن مثلك سلعة الطيب كم دفعاتها

لا تحسب ان كل جافي بكت عيني جفاه

لي مقامات وللناس مقاماتها.

وأحدثت أشعار حمدان الختامية في خيمة الملتقى التي امتلأت بنحو ألفي متذوق للشعر حالتين متضادتين ما بين مبالغة في الصمت أثناء إلقاء سموه من أجل التماهي مع ما تحمله من أفكار ومشاعر، لاسيما أن سموه نوه في بعضها إلى أن إحدى غايات الشاعر الرئيسة التي يتوسم تحققها في المتلقي هي إمعان الأخير النظر والتعمق في فهم ما تشير إليه أبياتها وعدم أخذها على علاتها عبر فهم سطحي للدلالات والمعاني، أما النقيض الآخر فهو موجة التصفيق والإشادة التي ألهبت أكف الحضور وسمحت لآهاتهم بأن تغدو مدوية، قبل أن يفاجئ الجميع بأن قطار الشعر قد وصل في دورته التاسعة بـ«الملتقى» إلى ختامه، لتطوى صفحة ستظل شديدة التميز في دورات المهرجان الشعبي شهدت إطلالتين شعريتين من حمدان بن محمد وجمعت 12 شاعراً مجيداً يمثلون كوكبة طاغية من الحضور في فضاء الشعر النبطي في منطقة الخليج العربي بأسرها.

انسجام نادر

وغلبت على تفاصيل الأمسية الرابعة حالة من الانسجام النادر بين الشعراء الثلاثة بعضهم بعضاً إلى الحد الذي جعل الفلاحي يرتجل شعراً في رفيقيه في الأمسية الرشيد والمري، وهو الانسجام الذي انتقل أيضاً للحضور ، وأتاح للشعراء التوقف في مساحات زمنية قصيرة لشرح بعض الملابسات حول قصائدهم ، وهو ما لجأ إليه الرشيد الملقب بـ«سيف العشق»، نسبة لإحدى أشهر قصائده، والتي اتخذها عنواناً لديوانه الوحيد المتوافر في مكتبات الشعر، عندما كان يبرر إلقاءه قصيدة غزلية، قال إنها رد على بيتي شعر وصلاه من مجهول عبر رسالة يطالبه فيها بفتوى شرعية، فأبى ألا يجيبه بفتوى «شعرية» عبر قصيدة مطولة ، متخذاً بذكاء الواقعة المحكية مدخلاً للنفاذ إلى القصيدة .

وتنوعت قصائد الرشيدي بشكل ذكي بين المديح والوصف والغزل، وإن تسيد الغرض الأخير بشكل كبير، ومنها إلقاؤه في إحداها :

والشعر سادر في بيادر زهرها

من غرة محرم إلى نهاية الحج

والقلب مرهي مير ما كنه ارها

مادلها لفح الجديلة ولا سج

عصرية خالط نداها خدرها

نسناسها غربي ومزناتها بلج



لكن اتجاه الرشيدي في ثنايا أبياته للأسلوب الشعبي واستعانته بالموروث من الأمثال والحكم المتداولة، كان يعني دائماً مزيداً من تجاوب الحضور معه، وهو ما حدث على سبيل المثال عندما تماهى في وصف المحبوبة وإيمانه به، قائلاً «أصدق الشوق واكذب عمايا»، مروياً عطش جمهور قصد سماع قصائده وجاء خصوصاً من دول خليجية عدة.

صدور الرجال

أما الشاعر القطري علي بن معيض المري الذي يخوض حالياً مرحلة متقدمة من منافسات البرنامج الشعري «شاعر المليون» فأظهر في قصائده سواء المعروفة منها أو الـخمس الجدد التي فاجأ الجمهور بها خصوصية تجربته وأدواته الشعرية، وبشكل خاص في غرضي المدح والغزل متكئاً على إيلاء عناية خاصة بالصورة الشعرية وانتقاء الألفاظ بحرص شديد يتيح للمتذوق متعة الإبحار واكتشاف معاني القصيد بشكل متدرج يبدأ من مطلع القصيدة ولا يتوقف إلا في منتهاها، بشكل يؤكد أن القصيدة النبطية وحدة واحدة، ومن ذلك قصيدة «الصدور قبور» التي قال في مطلعها :

تكهنت بأشياء مالها بيننا دستور

الين آمنت من قوة الطرح عرّافة

بنا هاجسي بيني وبين الخلايق سور

سمع به من يردّد قصيدي ولا شافه

ملك موت صادقة المشاعر عثى بالزور

ومات الشعر عقبه ولا احد بكى قافه

كذا اقدر اسمّي صدور الرجال قبور

كذا ممكن القي للمعاذير صرافه

وعبر انتخاب ذكي من مكتبته الشعرية مشفوعة بـ3 قصائد جديدة كان الشاعر الإماراتي سعيد بن دري الفلاحي ذا حضور جيد في الأمسية الأخيرة، ولجأ إلى تسلسل قصائده بشكل جيد ضمن له تفاعلاً مستمراً مع الجمهور على مدار الأمسية، حيث بدأ الفلاحي بقصيدة مهداة إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد ال نهيان، وختم بأخرى مهداة إلى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد ال مكتوم، فيما تطرق بينهما لأخرى مهداة إلى سمو الشيخ حمدان بن محمد ،قبل أن يعرج إلى الكثير من الأغراض الشعرية أبرزها الغزل والحكمة بالإضافة إلى المدح، لكنه أنشد في المستهل:

يا خليفة زايد الثاني خليفة

يا أمين احنا بأمان الله وامانه

يا سندنا في المواقيف الشظيفة

يا ذخرنا عن عنا الوقت وزمانه

قبل أن يقدم باقة متميزة من نتاجه الشعري أسهمت في إمتاع الحضور بآخر ليالي ملتقى دبي للشعر الشعبي الذي تتوجه أنظار رواده إلى الدواوين الـ100 لأهم الأسماء الشعرية في سماء «النبطي» في مختلف دول الخليج العربي.
طباعة