«برلين السينمائي».. نشأة باردة وتاريخ ساخن

نجوم ومخرجون من أرجاء العالم شهدوا حفل الافتتاح. غيتي

أالصفر إلى يمين الرقم ستة يعني الكثير لمهرجان «برلين السينمائي»، ليس لأنه يصل دورته 60 فقط، بل لأن هذا الصفر يزيده ابتعاداً عن تاريخ مأهول بالسياسة، فهو وليد الحرب الباردة بامتياز، ولم تكن تفصله عام 1951 سنة تأسيسه سوى خمس سنوات على انهيار النظام النازي وانتحار زعيم الرايخ هتلر، كما أن «الحلفاء» وجدوا فيه معبراً لتقديم «ثقافة الحرية» التي كانوا يجدونها فقط في هوليوود، من دون أن يفوت مدير المهرجان الحالي ديتر كوسليك توضيح ذلك قائلاً «المدينة كانت رمزاً للذنب ولأنظمة منقسمة، لكنها أيضاً رمز لبداية جديدة»، مستعيداً فيلم ألفريد هيتشكوك «ربيكا» الذي افتتح الدورة الأولى من دون أن يخفى عليه تاريخ طويل من الخلافات والجدل لها أن تحضر مع أفلام دول أوروبا الشرقية أو ما عرف بدول «المعسكر الاشتراكي» - أول مشاركة لألمانيا الشرقية كانت في 1971 - وتحول المهرجان في الوقت نفسه إلى ملتقى لهذه السينما المهمة مع سينما معسكر «الحلف الأطلسي» إن صح الوصف، وبمعنى أشمل سينما العالم، وذلك مع سبعينات القرن الماضي.

تغطية الدورة 60 ألن تمنعنا من استعادة هذا التاريخ الطويل من الأزمات، وفي مثال عليها يحضر فيلم ميشيل فيرهوفون «أوكيه» الذي عرض عام 1970 وأدى إلى انسحاب لجنة التحكيم وإلغاء المسابقة كونه يحكي عن فتاة فيتنامية يغتصبها جندي أميركي ويقارب قصة حقيقية بأسمائها ووقائعها، وللمفارقة فإن فيرهوفون في هذه الدورة يرأس لجنة تحكيم جائزة الفيلم الأول، بينما يرأس لجنة تحكيم المسابقة الرسيمة المخرج الألماني فيرنر هرتزوك صاحب «غضب الرب»، أولعل الحضور الألماني في لجان التحكيم هو الأول من نوعه مقارنة بالدورات السابقة، واستكمالاً لقصص المهرجان الاشكالية فإن الدورة التي عرض فيها فيلم eer Hunter أ(صائد الغزلان) عام ،1977 الذي يستعاد هذا العام مع 40 فيلماً آخر في قسم خاص بمرور 60 سنة على المهرجان أطلق عليه اسم «اعرضها مرة أخرى»، انسحاباً من قبل كل السينمائيين الاشتراكيين ومعهم سينمائيو العالم الثالث في اعتراض على منطق هذا الفيلم يوم كان العالم اليساري أو التقدمي في تعاطف كامل مع فيتنام التي احتلها الأميركيون.



تحت الصفر

الصفر الذي بدأنا به سيوحي أيضاً بالبرد القارس لكن بما يتخطى الصفر إلى 10 تحت الصفر درجة حرارة برلين يوم الافتتاح، وعليه فإن على الأفلام في هذه الدورة أن تتولى مهمة بث الحرارة في جمهور لم تمنعه الثلوج وتراكمها من الوقوف في طوابير طويلة للحصول على تذاكر الأفلام، ولدرجة يخاطب فيها المدير الحالي للمهرجان مدير الدورة الأولى لمهرجان برلين قائلاً: «هل كان يتخيل ألفريد بور أن نبيع 270 ألف تذكرة إلى الآن وأن يحضر المهرجان 20 ألف زائر خاص بالصناعة السينمائية من 136 بلداً»، من دون أن يفوتنا ذكر أن 15 ألفاً و477 فيلماً عرضت على مدار 60 سنة في هذا المهرجان.

هذه الأرقام لا تدفع إلى الدهشة إذا عرفنا أن مهرجان برلين يعتبر الرقم واحد في العالم من حيث عدد الحضور والمتابعين للأفلام، لا بل إنه وعند احتفاله بمرور 50 سنة كان عدد المشاهدين قد بلغ حينها 390 ألف مشاهد.

استعادة مجازية

الافتتاح ليلة أول من أمس كان صينياً بامتياز بفيلم «منفصلان معاً» وبتوقيع المخرج كونان وانغ الحائز جائزة الدب الذهبي عام 2007 عن فيلمه «زواج تويا»، وليكون فيلمه هذا العام في ملمح أو آخر استعادة مجازية، ربما، لما طال برلين نفسها حين كانت منقسمة إلى شرقية وغربية، كون الفيلم يحكي قصة ذاك الشاب الذي يضطر إلى الهرب من الصين إلى تايوان بعد انفصال الأخيرة عنها، وقصة عودته إلى شنغهاي وبحثه عن حبيبته التي يعثر عليها وقد تزوجت برجل مسن، وعلى شيء له أن يكون توثيقاً لما تميله السياسة على الحياة الفردية لكل واحد منا، وإن كان التركيز الأسمى في الفيلم على حيثيات العلاقات الإنسانية.

أالبرنامج الرسمي للمهرجان حمل 26 فيلماً خمسة منها خارج المسابقة، وما تبقى يحمل أفلاماً من كل من ألمانيا وبريطانيا وأميركا وروسيا وإسبانيا ورومانيا وفرنسا والنرويج والصين واليابان وإيران وتركيا، ففي الفيلم التركي «عسل» يستكمل المخرج سميح كابلانغولو ثلاثيته التي بدأها بفيلمه «حليب» واتبعه بـ«بيض» وليأتي العسل استكمالاً لخلطته السينمائية، بينما يحضر من اليابان المخرج المخضرم كوجي وكامتسو بجديده «كاتربلير» عائداً إلى الحرب موضوعه الأثير، حيث يتناول حياة جندي عائد إلى بلدته بعد أن فقد رجله وذراعه في الحرب اليابانية الصينية، وعلى شيء له أن يستكمل به آخر أفلامه «الجيش الأحمر المتحد» الذي عرض عام 2008 ضمن عروض «ملتقى برلين السينمائي».

بولانسكي «كاتب الأشباح»

رومان بولانسكي المطارد بحكم قضائي يأتي الدورة 60 بجديده الذي حمل عنوان أThe Ghost Writer «كاتب الأشباح» بينما يأتي إلى جواره لكن خارج المسابقة مارتن سكورسيزي بفيلم حمل عنوان Shutter Island (جزيرة درفة النافذة»، مانحاً البطولة مجدداً لليوناردو دي كابريو على شيء من الشراكة الشبيهة بشراكة سكورسيزي في ما مضى مع روبرت دي نيرو، الأمر الذي يقودنا إلى مخرج له أن يستوقفنا طويلاً ألا وهو الانجليزي مايكل وينترباتوم صاحب «الطريق إلى غونتانامو»، و«في هذا العالم» الذي نال جائزة الدب الذهبي في برلين ،2003 وليقدم في هذه الدورة فيلماً بعنوان The Killer Inside Me (القاتل في داخلي) المأخوذ عن رواية لجيم ثامبسون تتناول حياة ومشاغل وفساد شرطي أميركي في بلدة نائية.

«الصياد» الإيراني

إيران تحضر في المسابقة الرسمية من خلال «الصياد» للمخرج رافي بيتس الذي يقارب أحداث طهران الأخيرة من خلال علي الذي تقتل زوجته وابنته خطأ برصاص الشرطة الذين يطلقون النار على المتظاهرين، ولينتقم بقتله لشرطيين وعيشه في الغابة إلى أن يقبض عليه. حضور الأحداث التي شهدتها طهران سيكون على أشده في الفيلم التسجيلي لنادر دافودي «أحمر، أبيض، الأخضر» - ضمن عروض برنامج بانوراما - الذي يوثق الانتخابات الإيرانية الأخيرة قبل إعلان النتائج وبعدها وعلى شيء لمهرجان برلين أن يشكل منبراً للسينمائيين الإيرانيين لتقديم رؤيتهم بخصوص الواقع السياسي والاجتماعي لبلدهم، كما هو الحال مع فيلم «تسلل» الذي حاز جائزة الدب الذهبي عام 2006 لا لشيء إلا لما يوثقه ربما وهو يروي معاناة النساء وصراعاتهن لحضور مباراة كرة القدم بين المنتخب البحريني والإيراني في نهائيات كأس آسيا.

 الحضـور العـــــــــــــربي في برلين

يقتصر الحضور العربي في برلين على برنامج «بانوراما» وذلك من خلال فيلم «الرجل الذي باع العالم» للمخرجين المغربيين سهيل وعماد نوري الذي عرض للمرة الأولى في الدورة الأخيرة من مهرجان دبي السينمائي،أ دون أن يفوتنا التأكيد على أصالة الفيلم الذي يشكل بامتياز مقترحاً بصرياً يؤسس عليه مخرجاه ما يدفع بالسينما العربية نحو المغاير والأصيل في آن معاً، كما أن الشخصية التي يقدمها سعيد باي بأداء رائع تحمل اسم «اكس» تكون محاصرة بكل ما يدفعها إلى الجنون، والذروة الدرامية في الفيلم مقلوبة تماماً، نبدأ بالسعادة وننتهي بالأسى. الحضور الثاني يتمثل بفيلم «ابن بابل» للعراقي محمد الدراجي الذي يستكمل «البانوراما» البرلينية كونه يتناول الهم والتوثيق العراقيين، لنكون في النهاية أمام فيلم «طريق» يراهن على المأساوي في رصد للعراق وفق نظرة الدراجي بعد سقوط نظام صدام حسين والغزو الأميركي الذي يكون العامل الخفي في الفيلم لنبش القبور الجماعية.

 

طباعة