مروى الخانجي: القصيدة تجلّيات لمواسم الروح

مروى الخانجي: هناك شعراء صامتون أفعالهم تسحرنا وتوقظ فينا ما هو أسمى من الشعر.

على الرغم من أن ديوان «... وأن هذا ربيعي»، يعد العمل الأول للمبدعة الإماراتية مروى الخانجي، إلا أن الشاعرة الشابة استطاعت أن تحافظ على صوتها الهادئ الخالي من توتر يصاحب البدايات غالبا، وأن تنجي ببراعة نصوصها من العواطف المجانية، والمباشرة التي تغلف الكتابات الأولى لكثيرين، لأنها ترى أن «دفق الحماسة نزق.. وأن البوح (التام) قتل لما في الصدر من أمنيات».

ويحمل ديوان مروى، الصادر أخيرا عن دار الجندي للطباعة والنشر في دمشق، أحلام مبدعة تبحث ـ لكل البشر ـ عن فضاء خاص من دون مواجع، حتى ولو كان «أفقا بحجم كف اليد»، وتؤمن بأن الشعر سيد «قادر على كل شيء، وبأن في محراب القصيدة تظهر تجليات لمواسم الروح المختلفة»، خصوصا حين تغترف تلك الروح من حس صوفي، يصيَر صاحبته «ظلا للندى العلوي». ومع تلك الطمأنينة، تنطلق من قلب الهدوء الإبداعي لقصائد مروى، ثورية خاصة بلا ضجيج، تجمع بأناقة مترعة بالشاعرية، بين أضداد، بين «نعم، ولا» متخطية، على الورق، أسوار «قصر منيف»، وداعية «الأمكنة المستسلمة لمصائر التسمية» إلى التمرد، ومشعلة «الحنين المحرض على السفر» في نفوس مريديه، حتى تستحيل ذات المبدعة في نص إلى «نحلة ثورية للرحيق». تقول مروى في قصيدة ليلة الأربعاء «.. أطرز العباءة مد البصر.. بدعوات أمي.. وأزرع فيها عشبا وزعتر.. وخرزا تعشق لون المحار.. وأدعو إليها عيدا وقدرا.. وأدعوها حرما.. لتمشي إليها حاضرات البحار.. سواء كطير ألقمته الرمال حكمة الارتحال..».

 حس صوفي

يمثل الحس الصوفي ملمحا بارزا في تشكيل تجربة الشاعرة مروى الخانجي، إذ يحضر حالا، وليس مجرد عبارات، أو رموز تقحم على بعض النصوص، بل يستغرق الوجد عشقاً وممارسةً قصائد عدة، وتفسر صاحبة «... وأن هذا ربيعي» ذلك بقولها «الحس الصوفي حال متصلة، أدعي أنني متصوفة حتى النخاع، ولولا صوفيتي ومحبتي الإلهية لما تجلى الشعر في». ويبدو ذلك في قصيدة الديوان الأخيرة «حالة صلاة» والتي تقول فيها مروى:

«سريت في الليل.. وفي نحرك أيها الليل.. أناشيد وتر أرتشفها.. فيا لطعم الدهشة الأولى! حين أثخنت المدى.. بعرق القصيد.. ومشيته.. حرفا حرفا.. وضلعا ضلعا، ثم أبجدية من ضمير الغيب.. لما دنوت اشتعلت.. ظلا للندى العلوي.. واختفيت في الشهد المطعم بالشهود.. ارتعشت من فتنة الخلود.. حين أسندت شعوري للشفق.. المعتق من دمي وهمست: مدهامة روحي من روحك، يا إلهي! قصصت على النازحين قصة ثورتي.. فانثال حبري كأول الورد.. حبا قانيا.. ولحنا أشبه بالحلم، التقطت الرذاذ وأسكنته روعي فارتوى.. صمتا واعدا.. انتشت به لهفة العاشقين.. الراجعين من قيامة الروح.. مكللين.. هناك.. رجزت روحي.. حين أسجعها الإله بلطفه: أريد ماء يا مليكي.. ماء أريد يا حبيب.. تغشاني دبيب.. من لذيذ عفوك، فلتكن روحي! ولتكن من ألف ألف روح تفتقت منها.. وبها ولدت أهزوجة.. يائية الإيقاع من كل ياء شب ياء جديد، هطلت... إلى الأبد.. لما مسني السحاب.. ثم عدت في هجعة أخرى: حي على الروح، حي عليك يامليك». 

 

 

 

لوحة للفنان ثائر هلال. أرشيفية



وتنطق نصوص مروى بأن الكاتبة اشتغلت عليها طويلا، وصبرت على موهبتها حتى اختمرت، وهو ما أكدته الشاعرة لـ«الإمارات اليوم»، قائلة «لم أسعَ كثيراً للنشر، وأنا لا أحب الأضواء، وأطمئن لقصيدتي بعد أن أكتبها، ثم عليها أن تتولى بنفسها إيجاد طريق ما للحياة دوني، إذا ما كانت أتمتلك من أسباب القوة أوالجمال بما يكفي». وأضافت «أولى قصائدي التي رأت النور كانت (أحلام الأربعاء)، وهي الوحيدة التي نشرت قبل صدور ديواني، وكان ذلك بمحض الصدفة، في صحيفة الاتحاد أواخر العام الماضي».

أما لماذا شكل قصيدة النثر تحديدا، وكيف ترى الكاتبة عالمها، والضجيج الذي لا ينقطع حول مشروعيتها، على الرغم من مرور زمن على نشأتها وتجذرها، فتقول مروى «ذلك سؤال قديم جديد، في الحقيقة، لا أختار ما أكتب، الكتابة قدر، هل هذا يبدو تهرباً من الإجابة؟ لا أدري، لكنه حقيقة ما أشعر به، تناسبني قصيدة النثر، تتحرر من الأوزان في سبيل شعور مضاعف تعوض ما تفقده من قوانين وأعراف. إذن، لابد أن يكون هذا الجديد مقنعاً بطاقته الشاعرية المكثفة بما يكفي». وترى أن الشعر الحقيقي، تحت أي مسمى كان، لابد أن يتحمل طاقات قائله الشعورية كلها لحظة تجلي النص، «وقديماً كان شعراء عرب أيعكفون على قصائدهم شهوراً لأجل تهذيبها، إذ تتحمل القصيدة العمودية بطبعها الموزون المقفى تدفق الشعور التدريجي والمتأني من وجهة نظري». وتكملة لبحثها عن صوتها الخاص، وأسلوبها الممهور ببصمتها، تخيرت مروى عنوانا لديوانها لم تسم به إحدى قصائدها لكي «يستطيع المتلقي أن يستقرئ من (هذا) كل المعاني التي تتراءى له في الديوان.. فـ(هذا) هي في الحقيقة كل القصائد، وليست مرتبطة بنص ما، لكنها تتحدث عن حال القصائد جميعا»، حسب مروى.

شعراء صامتون

ولا ترى صاحبة «... وأن هذا ربيعي» ضبابية بعض النصوص عيبا يضر بالشاعر، إذ تقترب مروى من المتلقي في قصائد، وتبعد ـ إلى حد ما ـ في أخرى، غير عابئة بتهمة الغموض والالتباس الذي قد يقع فيه بعضهم، وتقول «أعتقد أن هناك نصوصا طيعة، وهناك نصوصا وعرة وعصية.. وهناك من يحب الشعر المتوحش! وفي النهاية، القصيدة تجل لمواسم الروح المختلفة». معتبرة أن المباشرة الفجة تقتل النص، وتئد جمالياته وفنياته، كما أن العواطف المزيفة «مصادرة لحق القارئ وتطفل على خصوصيته، أعتقد أن الشعر على الأقل بالنسبة لي قادر على كل شيء، وليس الشعر ما هو مكتوب فقط، هناك شعراء صامتون لا يكتبون، أفعالهم تسحرنا، وتوقظ فينا ما هو أسمى من الشعر».

دهشة أولى

وعن نظرتها إلى المشهد الإبداعي في الإمارات، خصوصا الشعري، والجيل الذي تنتمي إليه، تقول مروى الخانجي «تزخر الساحة الأدبية في الإمارات برموز إبداعية، لكنني أتمنى أن تتبلور في مشاهد أكثر زخماً، وأن تبتعد عن طابع الاحتفالية، وأن تكون متصلة ببعضها من ناحية أالزمان والأشخاص، فالإبداع هوية قبل كل شيء».

وبشأن البدايات، ومتى تعلقت مروى بعشق الكلمة، وآبائها الإبداعيين، فتجيب الشاعرة، قالت «تفتق حبي للكلمة منذ صغري، ولم أكن أدري شغفي وولعي بها، وحين بدأت تعلم الأسماء.. علمت أن ذاك الذي أحبه يسمونه (أدبا)، وحاولت تجريب ذلك، لكنني لا أحتفظ بشيء من محاولاتي الأولى، أذكر أنني كنت أحب أن أكتب عن الأم كثيراً، وكان ذلك أجمل ما أخط، ومدينة أنا لوالديّ، أحب أن أتلو لهم دوماً ما أكتب، وأن أطالع في عيونهما أمارات الفرح، ومدينة لأحد أصدقائي الذي أخذ بيدي إلى الضوء، وسحب قصائدي إلى العالم الشعري». ولفتت إلى أنها تربت منذ طفولتها على مطالعات عدة، تنوعت بين كتب مضصطفى صادق الرافعي الذي تعتبره «أستاذها الكبير»، وكذا مصطفى لطفي المنفلوطي، وغيرهما من رواد الأدب الكلاسيكي، ثم محمود درويش، الذي تصفه بـ«الأب الروحي للشعر المـعاصر». وتصف قراءاتها بأنها متنوعة ونوعية، تنتقي وتتفاعل مع قصـائد مختلفة لشعراء كثـيرين من الخليج والمغرب وبلاد الشـام، فالشــعر حســب الأديــبة الإمـاراتية «حالة دائمة من الدهـشة المتـكررة، وأجمل النصـوص هـو الـذي يحلق بالمتلقي في كل مرة يقرأه».
طباعة