«دانتيلا» بروين حبــيب.. إبداع متمرّد على «الكادر»

نصوص «دانتيلا» مشغولة بالحب والخوف والحنين. تصوير: آشوك فيرما

إذا كانت قصائد الشاعرة والإعلامية الدكتورة بروين حبيب في ديوانها الأخير «أعطيت المرآة ظهري» تشرع نوافذ يطل منها القارئ على عوالمها، فإن كتابها النثري، الجديد أيضا، «دانتيلا» يطوف بالمتلقي في دروب حياتها، إذ تأخذه المبدعة لتريه تفاصيل من سيرة طفلة بحرينية عشقت الكلمات قبل أن تعيها، وصبية وجدت على المسرح خشبة تحرر وخلاص، وجامعية بحثت عن تحقق خاص، وأنثى «أعطت للمرآة ظهرها»، واستبدلت بتوأم الروح «نجمة صديقة».

ذلك وغيره هو قليل من بوح بروين، في كتابها المغزول بهموم ومشاعر متباينة، حب وخوف ونجاحات وخيبات، وحنين، ودانتيلا ناعمة في مواجهة خشونة صحراء الواقع (عنوان الكتاب كاملا: دانتيلا.. أقل من الصحراء). وأخيرا غربة ضاغطة بقوة على وجدان بروين، وتحضر حتى في إهداء الكتاب، ويفاجئ القارئ بتكرار اللفظة، واستحضار مرارتها في غالبية الصفحات، بحيث لا ينافسها سوى مفردات الحب والتمرد والتحرر، تلك التي تحفظ للروح توازنها، وتنشئ تصالحا خاصا بين المبدعة وذاتها، لاسيما حين تستدعي بروين طيف زليخة (الأم)، أو تحاور الطفلةٍ «منامتها»، عندها ترف الكلمات وتصفو اللغة، وتطمئن شعرية الكائن المغترب القلق، ويستحيل نثر النصوص إلى قصائد من الحنين.

شعر ودكتوراه وتلفزيون   
 
بروين حبيب. من المصدر
ولدت بروين حبيب في المنامة، وحصلت على بكالوريس في الأدب العربي من جامعة البحرين، و على شهادة الماجستير من جامعة عين شمس في مصر في ،1997 ونالت درجة الدكتوراه في الأدب من الجامعة نفسها في .2004

عملت في الإذاعة البحرينية، وقدمت أكثر من 22 برنامجا، وعملت في التلفزيون البحريني مذيعة رئيسة من 1988 إلى ،1999 ثم انتقلت إلى قناة دبي الفضائية معدة ومقدمة لبرامج ثقافية، من أشهرها «نلتقي مع بروين حبيب».

وصدر لبروين كتاب «تقنيات التعبير في شعر نزار قباني.. دراسة أسلوبية جمالية»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،1999 وديوان «رجولتك الخائفة طفولتي الورقية»، المؤسسة العربية للدراسات والنشر ،2001 وديوان «أعطيت المرآة ظهري»، دار الكوكب ـ رياض الريس للكتب والنشر، وكتابها الأخير «دانتيلا.. أقل من صحراء»، دار كنعان للدراسات والنشر.

تقول الكاتبة في نصها زليخة «دمعك مائي الأول.. عيدك صباح الصلوات.. كلك في روحي.. سيدة المزارات والأسرار.. ترتيلة النهارات الخضراء.. ضوء الأسفار.. لوجهك الذي يدخل النذور.. خذيني، إلى حفيف أقمطتي البيضاء، أيتها الجمرة الفارسية.. امنحي أحلامي قصائدها.. غيومها الممتلئة بالجنون.. أشعلي الأماني والطقوس السخية.. إلى المنامة التي تقيم بك.. عندما تفتحين صدرك مبتسمة في الحلم.. عصية في خالص الغفوة».. وكثيرا ما تمارس الكاتبة لعبة الهروب إلى هاتين المحطتين، سواء في نصوصها أو في قصائد عدة.

حزن شفيف
وعلى الرغم من ابتسامة بروين التي تملأ الشاشة، وتميز طلتها على قناة دبي الفضائية في برنامجها الحواري «نلتقي مع بروين »، إلا أن قارئ إبداعها قد لا يجد ظلا واضحا لتلك البشاشة، حيث تلون مفردات الحزن الشفيف معظم نتاجها، خصوصا في «دانتيلا»، وكذا بعض قصائد «أعطيت المرآة ظهري»، إذ تتمرد الشاعرة المبدعة على الإعلامية، وتنطلق متحررة ومتمردة على أسر الكادر، والصندوق السحري.

تقول بروين في أحد نصوص «دانتيلا .. »، بعد أن مهدت مسرح الحدث، «المخرج: 3ـ2ـ1 في عده التنازلي.. وأنا في الكادر.. الكادر نفسه الذي وضعت فيه نفسي منذ عشرين عاما، وكانت متعتي بالإطار نافذة على فضاءات مفتوحة حد الاختناق... مثبتة هكذا سعيدة بما أعتقد أنه الأبهج.. وكالعادة، تأخذ الكاميرا ابتسامتي الفوتوغرافية لا شكل قلبي.. ضجيج العدسة لا بريق عينين.. الضوء المخادع والمرقط في مرآة تنزلق إلى أثير الشهرة التي تأخذني بعيدا عن الفراغ الذي يتكوم خارجا، آخذا معه صفاء حريته و..و..و..». وهكذا ترسم الكاتبة مشهدا آخر، مفتوحا على مدى القلب، لا على عدسة الوجه، مطلا على المشاعر الحقيقية القابعة في الروح، وليس على الابتسامات المعلبة، والجاهزة للرسم في أي وقت على الهواء.

وتخيرت بروين حبيب لكتابها الأخير شكلا فنيا مغايرا، يتأبى على التصنيف الواضح كلون أدبي محدد الضفاف، إذ تتنوع نصوص «دانتيلا» الثلاثة والأربعون ما بين السرديات ذات القالب القصصي والسيرة والمقالات الذاتية التي تمرح بين فضاءات الروح واليوميات، إضافة إلى يوميات وأدب الرحلات ورؤى نقدية خفيفة وشهادات عن شخصيات قابلتها الشاعرة. وبذلك، تمنح بروين قلمها قالبا حرا، في نمط قد يتمايز عن أشكال أعمالها الأخرى (مجموعتان شعريتان، ودراستان أكاديميتان).

تماس
اللافت هو تماس بروين مع نصوصها أولا، حيث تقيم تناصا بين مقاطع دانتيلا وقصائدها. وفي أحيان أخرى، تستدعي استشهادات لآخرين، غالبا ما يكونون قريبين إلى روحها، ممن التقتهم محاورة، أو حتى عاشت مع إبداعاتهم، حيث تبرز الشخصيات النسوية، وتفرد لهن الكاتبة نصوصا كاملة، علاوة على حضورهن المكثف في الاستدعاءات.

ومع الاعتراف بوجود مسافة «إبداعية» وأساليب فنية تفصل ما بين نصوص «دانتيلا» ومجموعة «أعطيت المرآة ظهري» الشعرية، إلا أنه توجد بينهما قواسم مشتركة، لاسيما في تداخل بعض المضامين وغلبة البوح الذاتي على كلا العملين، فبداية من عنوان الديوان الدال على خصوصية صاحبته بأكثر من ضمير، ثم عناوين القصائد التي تبرز فيها «شمس أيامي، أنا الأقحوانة، صورتي الباكية، بورتريه لي، حكايتي..»، وغيرها من النصوص المشتغلة بهمّ مبدعتها الخاص، والراسمة لملامح قريبة من ذات صاحبتها، كما في قصيدة «ابتسامتي في التلفزيون»، أو حتى المكونة لحروف الاسم بصور يتجلى فيها قبس من الحس الصوفي وإشارات المريدين، كما في قصيدة «الغريبة» التي تقول فيها الشاعرة «اترك مرفقي، اتركني، أمر إلى فؤادي.. وحدي هنا، في شمس أيامي، وفي ظل البنفسج، ضوع أمسية قديمة. لا وجه لي، لا اسم، لا وطنا يلم تراب أغنيتي.. اتركني، هنا، في غربتي الأولى، وفي شمس كلامي.. لي من شذا اللغة الغريبة عندما يهوى المساء على فؤادي باء بكت راء.. وواو أورقت ياء على الألواح، والشمس خمرة فكرة في كأس نون».
طباعة