«الاغتراب مرة ثانية».. ثنائية الفن والسياسة

الوحدة العربية وأرهاصات السياسة موضوعاً للفن.              من المصدر

تحت عنوان مثير للاهتمام هو «الاغتراب مرة ثانية.. نهوض وتداعي المدن العربية»، جاء المعرض الذي أقيم بمنارة السعديات بأبوظبي ضمن فعاليات معرض «فن أبوظبي»، الذي نظمته شركة التطوير والاستثمار السياحي، بالتعاون مع مؤسسة الشارقة للفنون، وضم مجموعة من الأعمال ل16 فناناً معاصراً من الوطن العربي.

ويعكس المعرض، الذي افتتحه أول من أمس، الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان، رئيس مجلس إدارة شركة التطوير والاستثمار السياحي، ويستمر حتى 20 فبراير 2010 ،أفكار ومشاعر مجموعة متنوعة من الفنانين العرب المعاصرين في تفاعلهم بين الوحدة والانقسام في مجتمعاتهم بين الجيل السابق وجيل اليوم.

وقال الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان بمناسبة افتتاح المعرض «إننا ملتزمون من خلال برامجنا الثقافية بدعم الفنون العربية المعاصرة، وهذا المعرض يعكس هذا الالتزام، سواء كنا ننظم «فن أبوظبي» أو المعارض المؤقتة في «منارة السعديات» أو «غاليري وان» في قصر الإمارات، نحن دائماً نسعى إلى تعزيز مكانة أبوظبي كملتقى حقيقي لمختلف للثقافات».

وأوضح مصمم ومنسق المعرض الفنان جاك بيرسيكيان، المدير الفني لبينالي الشارقة ومدير مؤسسة الشارقة للفنون ومؤسس مؤسسة «المعمل للفن المعاصر» في القدس، أن «المعرض يمثل مقارنة بين ستينات وسبعينات القرن الماضي بالوقت الراهن الذي نعيشه حالياً، وفقاً لما عبر عنه الفنانون من خلال الرسومات واللوحات والصور وأفلام الفيديو والتماثيل المنحوتة والعروض والأفلام التي أعدها 16 فناناً من كل أنحاء المنطقة، ونتيجة ذلك، تتجسد رؤية المدن العربية كأماكن تتعايش فيها الوحدة والفرقة».

مدن وفنانون

ومن بين المشاركين في معرض «الاغتراب مرة ثانية.. نهوض وتداعي المدن العربية»، الفنانون علي جابري وأريين أناستاس وريني جابري وديانا الحديد وحلا القوسي وحرير ساركيسيان وقادر عطية ومروان ريكماوي ومنى حاطوم ومونيكا برجمان وسماح حجاوي وطارق الغصين وطارق عطوي ووائل شوقي ووفاء حوراني وياتو برادا.

وتتنوع الأعمال بين الاستكشاف الشخصي للقاهرة في عام 1977 التي تم تصويرها في رسومات الفنان الراحل علي جابري، وصور ساركيسيان عن «ميادين الإعدام» في ثلاث مدن سورية، ونموذج اللعبة الأوتوماتيكية للفنان ياتو برادا التي تصور المناطق العشوائية قبل وأثناء وبعد الزيارات الرسمية التي يقوم بها كبار الشخصيات لتلك المناطق، كما تنتقل للمستقبل لتقدم نموذجاً مستقبلياً متعدد الوسائط الإعلامية عن مخيم اللاجئين الفلسطينيين، وصولاً إلى أعمال طارق الغصين، التي تتطرق لموضوعات الحواجز والتشريد والشوق، عن طريق «ملاحظات على الموقع» والتداخلات في المناظر الطبيعية.

السياسة والفن

ويتبع «اغتراب مرة ثانية.. نهوض وتداعي المدن العربية» نهجاً محورياً يستكشف خلاله التاريخ الاجتماعي والسياسي للمنطقة، موضحاً تأثيره في حركة الفن الإقليمي.

نقطة الانطلاق لهذا المعرض هي عهد الرئيس المصري جمال عبدالناصر، بسبب دعوته القومية العربية. وتلتقط مخطوطات ورسومات ولوحات علي الجابري (1943-2002)، التي تعود إلى أوائل السبعينات، لحظات خاصة عندما كانت مصر في طليعة العالم العربي تقوده لتحقيق أحلامه القومية نحو الوحدة ومستقبل أفضل.أ ويبدو الحنين إلى هذه الأوقات واضحاً في أعمال الفنانين المعاصرين، مثل هالة القوصي «حول الأظافر الأحمر» و«أشجار النخيل ورموز أخرى» (2009)، وهي غرفة تزينها مئات من الصور، اللوحات الشخصية، وقصاصات الصحف وشاشات الفيديو التي تغطيأالجدران.

لم يصمد حلم الوحدة العربية طويلاً، وواصل الخلاف والانقسام السياسي تصاعده، ليصل إلى فترة من النزاعات والاضطرابات والحروب.

وتتجاور هذه الرؤية المثالية لسنوات الستينات والسبعينات جنباً إلى جنب مع نظرة الفنان لحالة الضياع والخلاف الحالية في المنطقة العربية. وعلى الرغم من تنوع الوسائط والأدوات المستخدمة من التصوير الفوتوغرافي والفيديو والأعمال التشكيلية وفنون الأداء، يتشارك الفنانون جميعاً الإحساس بالإحباط نتيجة الأحداث السياسية التي تؤثر في حياتهم.

وفي عملــه «نُصب للأحياء» (2001)، شيد مروان رشماوي نموذجاً طبق الأصل لـ «برج المر»، وهو ناطحة سحاب على حافة بيروت استخدمتها الميليشيات العسكرية أثناء الحرب الأهلية في لبنان، وأصبح اليوم بناءً متداعياً وغير مستغل، ولكنه في الوقت ذاته، لايزال يتمتع بصلابة تحول دول هدمه، فهو أثر باقٍ يرمز لحلقة الصراع المأساوية. بدورها، أعادت مونيكا بورغمان قراءة مذبحة مخيمي صبرا وشاتيلا من خلال اعترافات مفزعة لستة من مرتكبيها.

وتأتي صور حرير سركيسيان لمناظر الفجر الهادئ في الميادين الخالية بالمدن السورية حلب واللاذقية ودمشق، حيث تُجري عمليات الإعدام العلنية، لتبعث القدر ذاته من القلق والفزع، ويقدم عبدالقادر عطية مجموعة الصور الفوتوغرافية «روتشير كاريه» لعدد من الشباب الجزائريين يتطلعون بنظراتهم من أعلى صخور عملاقة إلى أوروبا، لتعكس رغبتهم الطاغية في استكشاف مستقبل أفضل يعتقدون أنه ينتظرهم على الجانب الآخر من البحر.

طباعة