البرزخ «5 - 5»

«البَرْزَخُ هو الحاجز بين الشيئين، والبَرْزَخُ ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث، فمَن مات فقد دخل البَرْزَخَ».

اكتفى الشاعر والمثقف محمد أحمد السويدي، بتلك العبارة الموجزة كمدخل لنصه الجديد الذي تنفرد «الإمارات اليوم» بنشر مختارات منه على حلقات.

وإذا كان فيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري في رحلته المتخيلة المعروفة بـ«رسالة الغفران»، قد تجول في الجنة، ثم في الجحيم مصطحباً معه رفيقهَ ابن القارح ليحاوره، موضحاً من خلال الحوار آراءه في العقائد وأصحابها وفي طبيعة الثواب والعقاب الإلهيين، وإذا كان دانتي في ثلاثيته الشهيرة «الكوميديا»، قد قام بإيضاح رأيه في عدد من مشاهير التاريخ عبر إدراجهم، إما في طبقات جحيمه التسع، والذي يمثل عالم الخطيئة والإثم والعذاب، أو في طبقات مطهره التسع أيضاً، والتي تمثل التوبة والتطهير والأمل، أو في طبقات جنته التي تمثل الطهارة والحب والصفاء والحرية والنور الإلهي، وتضم أرواح الصالحين الأتقياء الذين اتبعوا قواعد الأخلاق والفضيلة في حياتهم العلمية. إذا كان الأمر كذلك مع المعري ودانتي، فإن الشاعر والمفكر محمد أحمد السويدي في نصه الجديد، قد اختار المنطقة الواقعة ما بين الدنيا والآخرة من وقت الموت إلى البعث لينقل إلينا، في مزيج مسرحي مشغول بحرفية واضحة، ما استمع إليه من أصوات خلال رحلته البرزخية المتخيلة، حيث نستمع إلى صوت «المتوكل» وستة ممن عاشوا في دولته وجمعتهم معاً قصة واحدة، وذلك في محاولة جديدة ضمن المشروع الثقافي الطموح الذي يديره الشاعر محمد أحمد السويدي، من خلال «دارة السويدي الثقافية»، والهادف إلى إعادة قراءة التاريخ ورصد تفاصيله المغيبة بين صفحات الكتب.

يمكن الاطلاع على النص كاملاً من خلال موقع الوراق:

www.alwaraq.com

 

أيام من دولة المتوكّل

 

الصوت السادس
(بغا):
كان الفتح بن خاقان يعشق شاهك خادم المتوكل، واشتهر الأمر فيه حتى بلغه، وله فيه أشعار، وكنت أسعى في ما يحبه الفتح، ونمى الخبر إلى المتوكل فاستدعاني، وقال لي: إنما أردتك لتنادمني، فأنكرت ذلك، وحلفني يميناً حنثت فيها، فطلق من كانت حرة من نسائي، وأعتق من كان مملوكاً، وألزمني حجّ ثلاثين سنة، فكنت أحجّ في كلّ عام.

وأمر بنفيي إلى تكريت فأقمت فيها أياماً، ثم جاءني زرافة الحاجب في الليل على البريد، فبلغني ذلك، فظننت أن المتوكل لما شرب بالليل وسكر أمر بقتلي، فاستسلمت لأمر الله، فلما دخل إلي، قال لي: قد جئتك في شيء، ما كنت أحب أن أخرج في مثله، قلت: وما هو؟ قال: أمير المؤمنين أمر بقطع أذنك، فرأيت ذلك هيناً في جنب ما كنت اتوهمه من إذهاب مهجتي، فقطع غضروف أذني من خارج، ولم يستقصه، وجعله في كافور كان معه، وانصرف به.

وبقيت منفياً مدة، ثم حدرت إلى بغداد، فأقمت بمنزلي مدة. فلقيت إسحاق بن إبراهيم الموصلي، ثم لما كف بصره، فسألني عن أخبار الناس والسلطان، فأخبرته، ثم شكوت إليه غمي بقطع أذني، فجعل يسليني ويعزيني، ثم قال لي: من المتقدم اليوم عند أمير المؤمنين، الخاص من ندمائه؟ قلت: محمد بن عمر البازيار، قال: من هذا الرجل؟ وما مقدار علمه وأدبه؟ فقلت: أما أدبه فلا أدري، ولكني أخبرك بما سمعت منه منذ قريب، حضرنا الدار يوم عقد المتوكل لأولاده الثلاثة، فدخل مروان بن أبي الجنوب ابن أبي حفصة، فأنشده قصيدته، التي يقول فيها: بيضاء في وجناتـهـا ورد، فكيف لنا بشمه.

فسرّ المتوكل بذلك سروراً كثيراً شديداً، وأمر، فنثر عليه بدرة دنانير فقال: يا أمير المؤمنين: ما رأيت كاليوم، ولا أرى، - أبقاك الله - مادامت السموات والأرض، فقال محمد بن عمر: هذا بعد عمر طويل إن شاء الله وقبل، قال له: فما تقول في أدبه؟ فقال: أأكثر من أن يقول للخليفة: - أبقاك الله - يا أمير المؤمنين إلى يوم القيامة وبعد القيامة بشيء كثير؟ فقال إسحاق: ويلك، جزعت على أذنك، وغمّك قطعها، حتى لا تسمع مثل هذا الكلام؟ ثم قال: يا أبا عبدالله لو أن لك مكوك آذان، ما الذي كان ينفعك مع هؤلاء؟

الصوت الرابع
(عبّادة المخنّث):
كان لرجل عليّ دين، فكان يتردد إليّ كل يوم، فيقال: ليس هو في البيت، فغلّس عليّ يوماً في الثلث الأخير، فدق الباب فقيل: ليس هو ها هنا، فصاح الرجل واستغاث بالجيران. فلما اجتمعوا قال: يا معشر الناس، في الدنيا أحد ليس هو في بيته الساعة؟ فأشرفت عليه من طاق لي وقلت: نعم يا بن الفاعلة، هو ذا أنت لست في بيتك الساعة.

الصوت الثاني
(الفتح بن خاقان):

قلت في صباي:
وغريرة شغل الكمال بصنعها    عيش الهوى ومنية العشاق
شغلت بتنفيض الدموع شمالها     ويمينها مشغولة بعناق

الصوت الثالث
(البحتري):

قلت في محمد بن عبدالله وأحن إلى عهد الفتح والمتوكل:
أعيرت به بغداد سكب غمامة         تعل البلاد من نداها وتنهل
وما زلت مدلولاً على كل خطة      من المجد ما ترقا وما تتوقل
تداركني الإحسان منك ومسني      على حاجة ذاك الجدى والتطول
ودافعت عني حين لا الفتح يبتغي    لدفع الذي أخشى ولا المتوكل

الصوت الرابع
عبّادة المخنّث):
قلت يوماً للمتوكل: قَدْ عُمِل بي البارحة كذا وكذا دفعةً. فقال لَي المتوكل: ويْحكَ!! أما أعْييتَ؟ قلت: إنّما يعْيا البريد لا الطريق.

الصوت الثالث
(البحتري):
اجتاز الفتح بن خاقان على بعض القناطر، وهو يتصيد، وقد انقطع من عسكره، فانخسفت القنطرة من تحته، فغرق. فرآه أكار، وهو لا يعرفه، فطرح نفسه وراءه، وخلصه، وقد كاد أن يتلف، ولحقه أصحابه، فأمر للأكار بمال عظيم، وتصدق بمثله. فقلت مهنئاً بسلامته من الغرق:
سَقى اللَهُ عَهداً مِن أُناسٍ تَصَرمَت     مَوَدتُهُم إِلّا التَوَهمُ وَالذِكرُ
وَفاء مِنَ الأَيامِ رَجعُ حُدوجِهِم          كَما أَن تَشريدَ الزَمانِ بِهِم غَدرُ
هَلِ العَيشُ إِلّا أَن تُساعِفُنا النَوى       بِوَصلِ سُعادٍ أَو يُساعِدَنا الدَهرُ
عَلى أَنها ما عِندَها لِمُواصِلٍ           وِصالٌ وَلا عَنها لِمُصطَبِرٍ صَبرُ
إِذا ما نَهى الناهي فَلَج بِيَ الهَوى      أَصاخَت إِلى الواشي فَلَج بِها الهَجرُ
وَيَومَ تَثَنت لِلوَداعِ وَسَلمَت            بِعَينَينِ مَوصولٌ بِلَحظِهِما السِحرُ
تَوَهمتُها أَلوي بِأَجفانِها الكَرى       كَرى النَومِ أَو مالَت بِأَعطافِها الخَمرُ
لَعَمرُكَ ما الدُنيا بِناقِصَةِ الجَدى      إِذا بَقِيَ الفَتحُ بنُ خاقانَ وَالقَطرُ

إلى أن بلغت:
لقد كان يوم النهر يوم عظيمة           أطلّت ونعماء جرى بهما النهر
أجزت عليه عابراً فتشاعبت            أواذيه لما أن طما فوقه البحر
وزالت أواخي الجسر وانهدمت به     قواعده العظمى وما ظلم الجسر
تحمّل حلماً مثل قدسٍ وهمّة            كرضوى وقدراً ليس يعدله قدر
فما كان ذاك الهول إلاّ غيابة           بدا طالعاً من تحت ظلمتها البدر
فإن ننس نعمى اللّه فيك فحظّنا        أضعنا وإن نشكر فقد وجب الشكر

فقال لي الفتح: الناس يهنئونا بنثر، وأنت بنظم، وبراحة، وأنت بتعب، وأجزلَ صلتي.

الصوت السابع
(محمد بن المتوكل):
في هذا العام (244 هجرية) قتل والدي المتوكل يعقوب بن السكيت الإمام في العربية؛ وذلك أنه حضر يوماً مجلسه، وكان يؤدب أولاده، فجاء منهم المعتز والمؤيد، فقال أبي: يا يعقوب، أيما أحب إليك ابناي هذان أم الحسن والحسين ابنا علي رضي اللّه عنهم؟ فقال يعقوب: بل قنبر. فقال المتوكل للأتراك: سلوا لسانه من قفاه، ففعلوا ذلك فمات، ثم أرسل المتوكل لأولاده دية أبيهم عشرة آلاف درهم.

الصوت الثالث
(البحتري):

قلت في قصيدتي التي أولها: أجدك لا ينفكّ يسري لزينبا.
وفي أثنائها أعرض لذكر الأسد، ومبارزة الفتح بن خاقان له. قلت:
وما نَقمَ الحسادُ إلا أصالة                لديكَ وفعلا أرْيَحِيا مهذبا
وقد جربوا بالأمس منك عزيمةً        فَضَلْتَ بها السيف الحُسام المجربا
غداةَ لقيتَ الليث والليثُ مُخْدر          يُحَـــدد نابا للقاء ومخلَبا
إذا شاء غادَى عانةً أو غدا على       عقائل سِرب أو تقنص رَبربا
شهدتُ لقد أنصفتَه حين تنبرِي         له مُصْلِتا عَضْبا من البيض مِقَضَبا
فلم أر ضِرغامَين أصدق منكما       عِراكَا إذا الهيابةُ النِكسُ كذبا
هزبرُ مشى يبغي هزبراً وأغلبُ      من القوم يغشى باسل الوجهِ أغْلبا
أدل بِشَغْب ثم هالته صولةُ             رآك لها أمضى جَناناً وأشغَبا
فأحجم لما لم يجد فيك مَطْمع            وأقدم لما لم يجدْ عنك مَهربا
فلم يغنه أن كر نحوك مُقبلاً             ولم يُنجه أن حاد عنك مُنَكباً
حملتَ عليه السيفَ لا عزمك انثنى    ولا يَدُك ارتدت ولا حَده نَبا

الصوت السابع
(محمد بن المتوكل):

لمّا قتلت أبي دخل إليّ قاضي القضاة جعفر بن عبدالواحد الهاشمي فقالوا له: بايع قال: وأين أمير المؤمنين يعني: المتوكل؟ قلت: قتله الفتح بن خاقان قال: وأين الفتح؟ قال: قتله بغا قال: فأنت ولي الدم وصاحب الثأر فبايعني وبايعني الوزير والكبار ثم صالحت إخوتي عن ميراثهم على أربعة عشر ألف ألف درهم.

وكنت أقول: يا بغا أين أبي؟ من قتل أبي؟!! وأسب الأتراك وأقول: هؤلاء قتلة الخلفاء، فقال بغا الصغير للذين قتلوا المتوكل: ما لكم عند هذا رزق فعملوا علي وهموا فعجزوا عني لأنني كنت يقظاً متحرزاً لا كأبي فتحيلوا إلى أن دسوا إلى طبيبي ابن طيفور ثلاثين ألف دينار عند مرضي فأشار بفصدي ثم فصدني بريشة مسمومة فمت منها. وكنت أردد في مرضي: يا أماه ذهبت مني الدنيا والآخرة عاجلت أبي فعوجلت.
طباعة