كلينت إيستوود.. يصارع الحياة بالأفلام

مشهد من فيلم «تبديل» من إخراج إيستوود. آوت ناو

نتحدث عن فيلم وعيننا على آخر، وما إن ننتهي من مشاهدة الأول حتى يكون الثاني بانتظارنا، وللمخرج نفسه الذي ما أن نورد اسمه حتى يبدو ذلك طبيعياً جداً، ولعل القول: إننا نتحدث هنا عن كلينت استوود لن يدهش أحداً، من دون القدرة بالتأكيد على إخفاء حيرة يضعنا أمامها هذا المخرج والممثل بقدرته الخارقة وطاقته العالية التي تتناسب عكساً مع تقدمه في العمر، وقد تجاوز السبعين بثماني سنوات.

بعد أربع جوائز أوسكار بما فيها أوسكار أفضل مخرج عن فيلمه «فتاة بمليون دولار» عام ،2004 قام بضربة مزدوجة بعد ذلك بعامين وقدم «رسائل من ايوا جيما» و«رايات آبائنا»، ويبدو أنه كرر الشيء نفسه العام الفائت أي ،2008 فبينما كانت هذه الأسطر تتجه للحديث عن Changeling (تبديل) الذي يعرض حالياً في دور العرض المحلية فإذا بفيلم جديد لإستوود من انتاج ،2008 بدأ عرضه في الولايات المتحدة ويحمل عنوان «غران تورينو» والذي يلعب فيه أيضاً دور البطولة المطلقة، ولعل الفيلم يتكئ بمعظمه على شخصية والت كوالسكي والتي لعبها استوود بإتقان، وعلى شيء من نهايات العمر التي وصلها بوصف هذه الشخصية شاركت في الحرب الكورية وتعيش في حي لا يقطنه غير الآسيويين.

لن نمضي خلف «غران تورينو»، نتركه لحين عرضه هنا رغم كل ما يغرينا به، لكن وفي محاولة لتتبع حيوية استوود العجيبة، فإنه لن نفاجأ إن عرفنا أنه شارف أيضاً على الانتهاء من فيلم بعنوان Human Factor (عامل إنساني) الذي يقارب فيه حياة نيلسون مانديلا بعد سقوط نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، ويجسد البطولة فيه أي شخصية مانديلا، مورغان فريمان وإلى جانبه مات ديموند.

قبل المضي إلى (تبديل) تجد الإشارة إلى أن تدفق استوود لن يوقفه سوى الموت، والذي سيغافله على الأغلب وهو في موقع التصوير، ولعل كل مسيرته الطويلة في التمثيل والإخراج لم تلب أي شيء من طموحه، حتى وإن عرفنا حقيقة حصوله على 97 جائزة من مهرجانات سينمائية حول العالم، مضافاً إليها 55 ترشيحاً لجوائز متنوعة، وليكون توصيفه بمصارع الحياة بالأفلام أفضل ما يمكن أن يقال عنه، مع التأكيد أن أجود أفلامه حققها في السنوات العشر الأخيرة، وكلنا نذكره بوصفه بطل الـ«ويسترن» الذي تقدح عيناه شراراً، وويل لمن يقع تحت قبضته، يهب فيلم (تبديل) من مرحلة مفصلية في تاريخ التكوين الاجتماعي للولايات المتحدة، متخذاً من لوس انجلوس عام 1928 مساحة لتقديم دراما لها من المأساة ما يضيء حجم الفساد المحيط بها.

يحكي الفيلم عن امرأة مطلقة اسمها كريستين (انجلينا جولي) تعيش مع ابنها الوحيد في ضواحي لوس أنجلوس، وتجهد لتحصيل رزقها ورعاية ابنها في الوقت نفسه، وعلى شيء من صراعها مع الحياة التي تكرسها لابنها، ومع تعرفنا إلى تفاصيل حياتها، تضطر في عطلتها للذهاب إلى عملها لأمر طارئ، وما إن تعود إلى البيت حتى يختفي ابنها من حياتها.

من الطبيعي أن تلجأ الأم إلى الشرطة، وبخط موازٍ نتعرف الى حملة يقودها أحد رؤساء الكنائس (جون مالكوفيتش) ضد فساد تلك الشرطة، وعليه يكون العثور على ابنها وإعادته إليها مناسبة للشرطة، تبرز من خلالها قدرتها المشكوك فيها على صون السلم الاجتماعي، وتسليط الضوء إعلامياً على ذلك، لكن حين تتسلم كريستين ابنها تكتشف أنه ليس ابنها، على كريستين الآن قبول صبي آخر تحت تهديدات ضابط الشرطة، وخصوصاً أن نجاحه في استعادة الولد الضائع صار في عهدة وسائل الإعلام. كريستين تقول للضابط: هذا ليس ابني، والضابط مصرّ على أنه ابنها ورغماً عنها، لدرجة تدفعه لأن يضعها من دون محاكمة أو معاينة في مصح عقلي للتخلص منها.

الفساد سيكون مستشرياً تماماً، يطال كل شيء، سفّاح الأطفال سيُكتشف بعد أن يكون قد قتل عشرات الأطفال، وانقلاب الأمور لمصلحة كريستين لن يعيد لها ابنها، الذي يبقى لغزاً محيراً، ولعل الفيلم محتشد بالأحداث والانعطافات الدرامية التي ستشكل في النهاية وثيقة تاريخية واجتماعية للحياة الأميركية وفق بنية مشوقة، تتوالى فيها الأحداث على ايقاع لا يبهت طوال الساعتين ونصف الساعة، مدة الفيلم الذي جسدت فيها انجلينا جولي واحداً من أهم أدوارها، وجاءت على تناغم محكم مع كل ما حفل به هذا الفيلم.
طباعة